العدل أساس الملك …
كتبهاmohamed ، في 26 يوليو 2008 الساعة: 05:23 ص

عندما ضبطت الشرطة الفرنسية نجل العقيد الليبي الأصغر هانيبال ، وهو يقود سيارته بسرعة مجنونة في جادة الشانزلزيه ، لم تتعامل معه على كونه شخصا فوق القانون بسبب أن والده هو رئيس الجمهورية الليبية ، بل تعاملت معه كأيها الناس ، وحررت له محضرا ، وتم تقديمه إلى العدالة الفرنسية ، التي أصدرت في حقه حكما يقضي بمنعه من دخول التراب الفرنسي بضعة أشهر بسبب هذه المخالفة للقانون ، وبسبب شجاره مع رجال الشرطة .
ورغم أن قرارا كهذا يمكن أن يجلب غضب ليبيا على فرنسا ، وبالتالي تتضرر مصالحها الاقتصادية هناك ، إلا أن القضاء الفرنسي لم يأخذ هذه الفرضية في حسبانه ، لأنه بكل بساطة لا يفرق بين أبناء الزعماء والملوك ، وبين أبناء الناس “العاديين” ، بل يضع الزعماء والملوك أنفسهم في نفس المرتبة التي يوجد فيها كل الناس ، فحتى ساركوزي نفسه لو تم ضبطه يخالف قانون السير ستحرر له الشرطة محضرا كما تفعل مع الجميع .
في المغرب عندما تلقي الشرطة القبض على أحد “أشقائنا” الخليجيين بتهمة هتك عرض شرف بنات المغرب وتمريغه في وحل العار ، فأقضى ما يمكن أن تقوم به هو اصطحابه إلى المطار وإرساله إلى بلده الأصلي ، عوض أن تقدمه إلى النيابة العامة ، ودون أن ينال حتى مجرد كلمة توبيخ واحدة .
قد يقول البعض بأن السلطات المغربية تفعل ذلك حتى لا تثير غضب قادة الدول الخليجية الغنية ، لأن غضبهم يعني أن خزينة الدولة المغربية ستحرم من تلك المليارات التي يتبرعون بها علينا كلما اشتدت علينا الأزمة الاقتصادية ، وبالتالي لن يجد المغرب لمن سيمد يده بعد ذلك للتسول . قبح الله الفقر على كل حال ، لكن أن يتم الدوس على شرف المغربيات دون أن تطالهم يد القانون فهذا أمر غير مقبول على الإطلاق ، بل في ذلك إهانة كبيرة للقانون المغربي .
مشكلة القضاء المغربي لا تكمن فقط في عجزه عن متابعة رعايا دول الخليج ، بل تكمن حتى مع أبناء البلد . فإذا كان القضاء الفرنسي مثلا يستطيع متابعة أي كان ، وإن كان ذلك لا يخدم مصالح السياسيين الفرنسيين ، فلأنه يتمتع باستقلالية تامة عن السلطة التنفيذية ، عكس ما هو قائم عندنا في المغرب ، حيث السلطة التنفيذية هي التي تتحكم في السلطة القضائية وتوجهها حسب أهوائها ، لذلك فمعظم قضاة محاكم المملكة والوكلاء العامون للملك يمكن تشبيههم بأجهزة إلكترونية لا يمكن أن تشتغل إلا بواسطة جهاز التحكم عن بعد ، أو الريموت كونترول ، الذي يوجد في يد السلطة التنفيذية .
والذين يتساءلون عن الحل الذي يمكن بواسطته إخراج المغرب من كل هذه الأزمات التي يتخبط فيها ، فالجواب يمكن تلخيصه في جملة واحدة : إصلاح القضاء . فعندما يستشري الفساد في بلد ما ، فذلك بسبب فساد جهازه القضائي ، وهذا هو حال المغرب تماما . لذلك فعلاج الأمراض المزمنة التي تنخر جسد المغرب يجب أن تبدأ من معالجة العدالة المغربية من تبعيتها للسلطة التنفيذية أولا .
حجم الاختلاسات التي تعرض لها المال العام في بلدنا منذ الاستقلال إلى السنة الأخيرة من القرن الماضي ، وصل إلى 15 ألف مليار ، حسب المراقبين ، غنه مبلغ خيال لا يصدقه العقل ، لكنه حقيقي . وبما أن الذين يحبون الحلول السهلة كانوا يعتقدون أن المغرب سيخرج من دوامة هذا الفساد بعد انتهاء مرحلة “العهد القديم” الذي قاده الحسن الثاني من 1961 إلى غاية شهر غشت من عام 1999 ، ومجيء “العهد الجديد” بقيادة الملك الشاب محمد السادس ، فقد اكتشفوا اليوم أنهم كانوا مخطئين ، وأن حسابهم ضربه الواقع في الصفر . فقد ذهب عهد وجاء عهد ، لكن الفساد لم يتزحزح من مكانه ، وبقي مستشريا في كل مكان كما في الماضي .
مختلسو المال العام في العهد القديم كانوا يتمتعون بمناعة قوية يستمدونها من النظام ، وتحميهم من أي متابعة قضائية ، نفس الشيء ما زال مستمرا إلى حدود اليوم . وقد رأى الجميع قبل أيام فقط كيف أن أنس الصفريوي الذي حرم خزينة الدولة من ألف مليار سنتيم ظهر إلى جانب الملك أثناء تدشينه لمشاريع في الشمال .
وسواء كان الملك قد تعمد إظهار الصفريوي إلى جانبه أم لا ، فالرسالة وصلت إلى من يهمهم الأمر ، وليس هناك أي قاض يستطيع أن يفتح ملف “الضحى” المتعفن ، ببساطة لأن تلك اللقطة التي ظهر فيها السيد أنس الصفريوي إلى جانب عاهل البلاد على شاشة التلفزيون وحدها كافية بأن تجعل يد أكثر القضاة شجاعة تصاب بالشلل من شدة الخوف كلما اقتربت من هذا الملف .
وصراحة فأنس الصفريوي يتمتع بحماية الجهات العليا ، رغم أن الجميع يحاول أن ينفي ذلك ، فلو لم يكن يتمتع بهذه الحماية لتمت متابعته في أسرع وقت ، خصوصا وأن تلك اللجنة البرلمانية المكلفة بالتحقيق في الموضوع يقودها رجل قوي اسمه ميلود الشعبي ، ويكفي أن نتذكر كيف تمت محاكمة مدير أمن القصور الملكية السابق عبد العزيز إيزو والزج به في السجن بسرعة قياسية ، فقط لأن الملك أعطى “إشارته السامية” للنيابة العامة بمتابعته بتهمة مشاركة ااشريف بين الويدان في الاتجار في المخدرات .
والذي عجل بوضع إيزو وراء القضبان طبعا هو أن الملك يحب أن يكون الأشخاص الذين يتولون أموره “نظيفين” ، ولذلك تم التعجيل بإرسال إيزو إلى السجن . إيزو نفسه الذي سبق له أن عذب موظفي القصر الملكي بمراكش كي ينتزع منهم الاعتراف بكونهم من سرقوا كؤوس البلار من البلاط الملكي . فكل من يدور في فلك الملك يجب أن تكون يداه طاهرتان ، أما هؤلاء المفسدون الذين يسيرون شؤون الشعب فلهم أم يفعلوا ما يريدون ، وفوق كل هذا يتم تمتيعهم بالحماية اللازمة ضد أي متابعة قانونية . إذا كان الملك يريد أن يكون محيطه طاهرا ، فعليه أيضا أن يسهر على تطهير كل مؤسسات الدولة من المفسدين ، وذلك بمنح كل الصلاحيات للعدالة كي تقوم بعملها دون أن يعرقلها أحد .
وكيف لا يستشري الفساد في المغرب ونحن نرى وزير الأوقاف الذي عوض أن يقدم إلى المحكمة هو والكاتب الخاص للملك منير الماجيدي بعد فضيحة أراضي الأحباس التي استفاد منها كاتب الملك بثمن بطاطا بتوقيع من الوزير قبل سنة ، يعيشون اليوم حياتهم بشكل أكثر من عادي ، فقد كان على الملك أن يعفيهما من منصبيهما ويقدما إلى العدالة ، لكنه عوض أن يفعل ذلك أعاد تعيين وزيره في منصبه لولاية ثانية ، وأرسل كاتبه الخاص لقضاء شهر من العطلة في جزر الباهاماس حتى تمر العاصفة ، ونتيجة هذه الحماية الملكية للمفسدين هي أن السيد أحمد التوفيق عاد بعد ذلك مباشرة ليمنح أكثر من أربعين هكتارا من أملاك الأحباس لمجموعة الضحى ، ودائما بثمن البطاطا ! فالرجل يعلم أن لا أحد يستطيع أن يقول له حتى ولو جملة اللهم إن هذا لمنكر ، مادام يحظى بحماية الملك . لذلك فعندما نرى أنس الصفريوي مرفوقا للملك مباشرة بعد فضيحة الأراضي التي نهبتها مجموعته فإننا نفهم أن الملك يوجه رسالة إلى الجميع يقول فيها: ” اعطيو التيساع للراجل ” .
الفساد الذي نراه اليوم مستشريا في طول البلاد وعرضها لا يجب أن نحمل مسؤوليته للقضاء وحده ، هناك جهات أخرى تساهم في انتشاره بهذا الشكل المهول . لذلك يجب الملك أن يستوعب هذا الأمر جيدا ، ويحرر العدالة المغربية التي تصدر أحكامها باسمه من الخوف ، وذلك عن طريق رفع الحصانة والحماية عن أي مسؤول يثبت تطوره في قضية فساد . فالعدل هو أساس الملك .
erraji2005@hotmail.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 26th, 2008 at 26 يوليو 2008 5:54 ص
السلام عليكم
مدونة في غايه التميز والطرح الجريء
والاسلوب السهل الممتع
ارجو زياره مدونتي وابداء الرأي فيما كتب فيها
وشكرا
اخوك
نوفل
السعودية
يوليو 26th, 2008 at 26 يوليو 2008 5:30 م
شكرا لك أخي الراجي على هدا المقال الممتاز
وووووووووواااااصل
تحياتي
سبتمبر 17th, 2008 at 17 سبتمبر 2008 5:10 ص
حسبى الله ونعم الوكيل
أكتوبر 5th, 2008 at 5 أكتوبر 2008 5:11 م
wld l9hba hadak llimakayhchm mn ch3b tfooooooo.
يوليو 2nd, 2009 at 2 يوليو 2009 12:04 م
تفاصيل مخجلة ومؤسفة
وما أصعب الفساد وأشرسه وتجبّره عندما يكون محروسا ومحميّا من أعلى رجل فى الدولة
الحاكم !!
………
تحياتى .