كفى من سياسة الترقيع !
كتبهاmohamed ، في 10 ديسمبر 2008 الساعة: 07:44 ص

أحيانا ، لا يعرف المرء ماذا يجب عليه أن يفعل عندما يسمع بعض الأخبار الغريبة التي لا يمكن أن تسمع مثيلا لها إلا في البلدان المتخلفة مثل المغرب ، هل يضحك أم يبكي .
آخر هذه الأخبار المضحكة المبكية تتحدث عن كون المغاربة لا ينفقون على الثقافة والترفيه سوى ستين سنتيما في اليوم! يعني طناش ريال .
من يسمع بهذا الخبر الغريب لا يمكنه بطبيعة الحال إلا أن يضحك . ففي هذا البلد العجيب الذي يبدو أن كل الأشياء المفرحة قد غربت فيه بشكل نهائي وحلت محلها الأخبار السوداء التي لا تسر عدوا ولا حبيبا ، أصبحت مثل هذه الأخبار السوداء أيضا تثير الضحك ، ولكنه ضحك كالبكاء كما قال الشاعر .
وبما أن ثريا جبران ، هي المعنية الأولى بهذا الخبر الكارثي ، ما دام أنها تحمل حقيبة وزارة الثقافة ، فقد أعلنت معالي الوزيرة عن كون وزارتها تشتغل على “خطة وطنية” من أجل تحفيز المغاربة على القراءة وشراء الكتب .
ولكن ، ما هو السبب الذي يجعل المغاربة أصلا لا يقرؤون ؟
هذا هو السؤال الذي يجب على الوزيرة أن تبحث له عن جواب قبل التفكير في أي خطة أو برنامج للتشجيع على القراءة . فالمغاربة يا سعادة الوزيرة لا يقرؤون ليس لأنهم لا يحبون القراءة ، بل لأن الظروف العامة التي يعيش فيها البلد هي التي لا تساعد على ذلك .
بالله عليكم كيف تريدون من الناس أن يقرؤوا الجرائد مثلا ، ونحن نرى كيف أن الصحف تنشر كل يوم أخبار عمليات الاختلاس والنهب التي تتعرض لها المؤسسات العمومية ، ومع ذلك لا يمكن أن تسمع حتى عن توقيف أحد المفسدين ، فأحرى تقديمه إلى المحكمة .
وقبل أيام فقط ، نشرت كل الصحف فضائح الفساد المالي والإداري التي كشف عنها المجلس الأعلى للحسابات في تقريره الأخير ، وعوض أن نسمع عن تقديم كل المتورطين في تبديد المال العام الذين وردت أسماؤهم في التقرير أمام القضاء ، نسي الجميع تقرير المجلس الأعلى بسرعة ، وكأن الشعب المغربي ليس بحاجة إلى كل هذه الأموال الطائلة التي ذهبت هباء .
لماذا إذن يشتري المواطن المغربي جريدة كي يملأ رأسه بالأخبار السوداء التي ترفع نسبة السكر في الدم ، وهو على علم مسبق بأن “أبطال” هذه الأخبار لن يتعرضوا ولو لمجرد مساءلة من طرف الجهات المختصة . وبعد ذلك يتساءلون لماذا لا يتجاوز عدد مبيعات الصحف المغربية مجتمعة 300 ألف نسخة في اليوم ، وهو نفس العدد الذي كانت تبيعه في سنوات السبعينات من القرن الماضي .
إن الناس في البلدان الديمقراطية المتقدمة يقرؤون الجرائد لأن أي خبر مهما كان صغيرا ، إذا فاحت منه رائحة الفساد يلتقطه القضاء بسرعة قياسية ، ويقوم بواجبه على أكمل وجه ، ومن تم يظل المواطن مرتبطا بالجريدة ، لأنه يتتبع من خلالها عمل المسؤولين الذين يسيرون شؤونه .
أما عندنا في المغرب ، فالصحافة لا تنشر فقط أخبارا صغيرة عن فساد المفسدين ، بل تنشر ملفات ضخمة ، وفي الوقت الذي كان مفروضا في القضاء الذي يمثل السلطة الثالثة أن يكون في خدمة الصحافة التي تمثل السلطة الرابعة ، أو على الأقل أن يضع يده في يدها من أجل القضاء على المفسدين ، فإن العكس هو الذي يحصل . ونجد أن القضاء مع الأسف يتواطأ مع جهات نافذة في السلطة من أجل قطع لسان الصحافة . وهذه طبعا واحدة من الأشياء التي لا يمكن أن تجدها إلا في “نادي الدول المتخلفة” الذي ما زال المغرب يحتفظ فيه بالعضوية الكاملة !
وربما لهذه الأسباب كلها نجد أن الذين يقرؤون الجرائد في المغرب على قلتهم ، يفضلون عادة أن يفعلوا ذلك وهم جالسون في المقهى ، كي يبتلعوا كل هذه “الفقايص” مع دخان السجائر . فبدون جرعات زائدة من النيكوتين من الصعب أن يتحمل الإنسان كل الأخبار السوداوية التي تزين بها الصحف صدر صفحاتها الأولى كل صباح .
وإذا كانت علاقة المواطن المغربي مع الصحافة متأزمة هكذا ، فعلاقته بالكتاب لا يمكنها أن تكون إلا أكثر تأزما وتنافرا ، على اعتبار أن دخول “عالم الإدمان ” على القراءة ينشأ عادة عن طريق الإدمان على قراءة الجرائد .
إذن كفى من إلقاء اللوم على المواطنين واتهامهم بشكل مجاني بالعزوف عن القراءة ، فالمطلوب منكم أيها السادة المسؤولون هو أن تبحثوا عن الأسباب الحقيقية لهذا العزوف اللاإرادي أولا ، ومن المؤكد أنكم تعرفونها جيدا ، لكنكم مع الأسف لا تريدون أن تعترفوا بها ، وهذه هي المشكلة الكبرى !
تنويه :
أتقدم بشكري الحار إلى كل القراء والقارءات الذين هنؤوني سواء عبر البريد الالكتروني ، أو من خلال تعليقاتهم التي كتبوها في المدونة ، بمناسبة حصولي على جائزة “مدون سنة 2008″ ، وأقول للجميع بأن هذه الجائزة التشجيعية ليست لي وحدي ، بل هي ممنوحة إلى كل هؤلاء الشباب الذين يصرخون في وجه الفاسدين والناهبين والمختلسين والمزورين الذين حولوا أوطاننا في هذا العالم العربي الغارق في التخلف والاستبداد إلى ضيعات يرثونها أبا عن جد .
جائزة مدون السنة ، مهداة لكل هؤلاء ، سواء الذين يكتبون عبر المدونات والمواقع الالكترونية ، أو القراء الذين يفتحون النقاشات عبر تعليقاتهم التي يخرجون بها بعد قراءة كل مقال . وحتى الذين يكتفون فقط بالقراءة ويتابعون ما يجري في صمت . كل هؤلاء إذن فائزون بالجائزة ، فهنيئا لنا جميعا ، ومزيدا من العطاء في النقاش الهادف ، كي نظل شوكة مزمنة في حلق كل هؤلاء الذين يريدون أن يجعلوا منا عبيدا ، بلا حقوق وبلا كرامة … ولتحيا حرية التعبير .
محمد الراجي
lesoir2006@gmail.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























ديسمبر 10th, 2008 at 10 ديسمبر 2008 9:55 ص
الله على التحليل المميز. أفكار ثاقبة و أسلوب سلس. عيدك مبروك و كل عام و أنت بخير. شكرا أبا الرجاء
يناير 2nd, 2009 at 2 يناير 2009 5:23 م
الله يعينك يا اخي الراجي صاحب الاسلوب الراقي و الفكر الواقعي الذي لا يعرف الخيال و الاوهام
اخوك رشيد بوجدو
دائما في انتظار جديدك