زمن الهزائم والأحلام
كتبهاmohamed ، في 10 يناير 2009 الساعة: 12:28 م

للأسبوع الثاني على التوالي ، تستمر الطائرات الحربية الإسرائيلية في إمطار أزقة وحارات وشوارع مدينة غزة بزخات كثيفة من القنابل والصواريخ والقذائف ، ونفس الشيء تقوم به الدبابات على الحدود والسفن الحربية التي في البحر .
للأسبوع الثاني على التوالي ، ما زال الشهداء الفلسطينيون في غزة يتساقطون بالعشرات ، وما زالت “الجهود” العربية عاجزة عن استصدار قرار من مجلس الأمن الدولي لوقف الجرائم الإسرائيلية ، في الوقت الذي ما زال الجميع ينتظر ويترقب بصبر نافد “المصير الأسود” الذي توعد خالد مشعل قوات الجيش الإسرائيلي بملاقاته في حال تجرؤها على اجتياح غزة .
بينما إيران وسوريا ، “الدولتان الممانعتان” ، تكتفيان بالتفرج وإدانة وشجب “العدوان الإسرائيلي الغاشم” ، تماما كما تفعل سائر الدول العربية الأخرى ، والتي تتخندق في صف “الدول المعتدلة” . أما “حزب الله” اللبناني ، الذي يفخر بكونه يتوفر على ترسانة مهمة من الصواريخ التي تزوده بها إيران ، فهو بدوره لا يفعل شيئا آخر غير التنديد والشجب والاستنكار ، أي كما تفعل سائر الحكومات والأنظمة العربية والإسلامية . ومع ذلك يقولون بأن الانتصار على العدو الصهيوني آت لا ريب فيه . إنه زمن الهزائم التي لا يخجل البعض في تحويلها إلى نصر مبين ، عندما تجتاحهم أحلام اليقظة .
*****
وهذا يعني ، أن هؤلاء جميعهم ، يتخذون أبناء غزة وقودا وحطبا للنار التي يريدون ويتمنون أن تحترق بها إسرائيل ، فيما هم جالسون أمام الشاشات يتفرجون .
أبناء غزة يستشهدون ، والنساء تحترق عيونهن بالدموع التي تعصف بأهدابهن ، والشيوخ والعجزة والأطفال الصغار ينتظرون الموت في كل لحظة ، بينما العرب بمن فيهم سوريا “الممانعة” ، وحزب الله “الصامد” ، والمسلمون بمن فيهم إيران ، العدو اللدود لإسرائيل ، كل ما يستطيعون فعله هو أنهم يتفرجون .
فلماذا لا تتحرك سوريا ، وهي الدولة الممانعة ، كي ترد على العدوان الإسرائيلي الذي يهدف إلى القضاء على “حماس” التي يتخذ قادتها البارزون من دمشق مقرا آمنا لهم ؟ أم أن كل ما يهم سوريا من دعمها لحماس ، هو استغلالها كورقة ضغط ترفعها في وجه إسرائيل من أجل ربح قليل من التنازلات في مفاوضاتهما السرية ؟
ولماذا لم تتحرك إيران ، وهي التي تملك صواريخ تستطيع أن تبلغ إلى عمق تل أبيب وعسقلان وغيرها من البلدات اليهودية ، وتسحق العدو الصهيوني الذي طالما هدد الرئيس أحمدي نجاد بمحوه من على الخريطة ؟
أو ليست هذه مناسبة سانحة لذلك ؟ أم أن لسان السيد نجاد كما يقول المغاربة “ما فيه عظم ” ؟ لذلك يهدد ويتوعد بسحق إسرائيل ، فقط كي تعتقد “الجماهير الغفيرة” التي تحضر إلى تجمعاته الخطابية أنه “بطل” ، وعندما يحين وقت الجد والمعقول ، تختفي الشجاعة ، ويخفت صوت التهديد والوعيد ، وتحل محله بيانات الاستنكار والشجب والتنديد .
ولماذا لم يتحرك جنود حزب الله ، وهم الذين يقفون على مرمى حجر من إسرائيل لنصرة إخوانهم في قطاع غزة . فلو اجتمع هؤلاء الثلاثة ، سوريا وإيران وحزب الله ، ونصروا أهل غزة ضد إسرائيل ، لما آل حال غزة إلى ما هو عليه الآن ، لكنهم لن يفعلوا ، لأنهم بكل بساطة لا يتقنون غير الكلام الفارغ ، ورفع الشعارات الخاوية .
فأي مصداقية بقيت إذن لهؤلاء ، ونحن نرى اليوم كيف أنهم نزعوا عن أنفسهم “قناع الممانعة” ، الذي يفرض عليهم – لو كانوا حقا ممانعين- ، أن يردوا الصاع لإسرائيل بألف صاع وليس بصاعين فحسب .
وها نحن اليوم نراهم على حقيقتهم المخجلة ، بعدما سقطت الأقنعة المزيفة ، وظهرت الوجوه على حقيقتها . فلا تلوموا مصر إذن على إغلاق معبر رفح منذ اليوم فصاعدا ، فهي وسوريا وإيران وباقي الدول العربية والإسلامية في الجبن سواء .
*****
عندما أرى الشهداء الفلسطينيين وهم يسيرون محمولين على الأكتاف نحو مثواهم الأخير ، وأرى الأطفال الأبرياء الذين مزقت القنابل الإسرائيلية أوصالهم ، والأمهات المكلومات اللواتي يبكين في صمت ، أشعر بغصة في حلقي ، وأتمنى ، مثل سائر العرب والمسلمين ، أن تزول إسرائيل من خريطة الشرق الأوسط والعالم ، كي ينقطع نزيف الدم الفلسطيني ، ويسترجع الفلسطينيون أرضهم المغتصبة ، ويعيشوا هانئين . لكني سرعان ما أستيقظ من أحلامي ، وأقول بأن ذلك مستحيل !
كيف لا ، وإسرائيل يعترف العالم أجمع بوجودها ، بمن في ذلك السلطة الوطنية الفلسطينية ، وسوريا التي ما يزال مسؤولوها يفاوضون المسؤولين الإسرائيليين سرا من أجل استعادة هضبة الجولان المحتلة ، ولا تعترف بها سوى حركة “حماس”.
كيف ستزول إسرائيل من الخريطة ، وهي أقوى دولة عسكرية في منطقة الشرق الأوسط ، ووحدها التي تتوفر على الأسلحة النووية ، ونظام داخلي ديمقراطي ، من بين كل دول المنطقة .
وحتى لو اجتمع العرب أجمعين ، وشنوا حربا جماعية على إسرائيل ، فلن يستطيعوا محوها ، لأن إسرائيل لن تجد نفسها وحيدة ، وهي التي لديها لوبيات ضغط قوية تتحكم في صنع القرار الأمريكي بل والعالمي . لذلك فدعم الولايات المتحدة الأمريكية لها مضمون ، ومن تم يبقى حلم إزالة إسرائيل من الخريطة أمرا مستحيلا . ومن يصر على ذلك فكأنما يدعو إلى حرب عالمية ثالثة .
*****
ما هو الحل إذن ؟ وكيف وبأي طريقة سيسترد الفلسطينيون أرضهم المغتصبة ، أو جزء منها على الأقل ، ويبنوا دولتهم المستقلة ؟
إذا أردنا أن نكون واقعيين ، يجب علينا أن نعترف بأن الحل الوحيد لن يخرج سوى من رحم المفاوضات بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني . أما أن يستمر الوضع كما هو عليه منن ستين عاما فهذا ليس حلا . الفلسطينيون يموتون ، وإسرائيل بمجرد أن ترتكب مجزرة تستعد لارتكاب أخرى . فإما أن يكون هناك سلم نهائي ، أو حرب حاسمة .
ولكن الفلسطينيين يحتاجون لكي يكون موقفهم قويا أثناء المفاوضات ، إلى دعم عربي مطلق . لكن العرب إذا بقي حالهم على ما هو عليه ، فيجدر بالفلسطينيين أن ينتظروا معجزة من السماء كي تجد قضيتهم طريقها نحو الحل ، ما دام أن وزن العرب اليوم على الساحة الدولية ، كوزن ريشة كتكوت صغير في ميزان الأوزان الثقيلة .
وأكبر دليل على ذلك ، هو أن العدوان الإسرائيلي على غزة يسير نحو إكمال أسبوعه الثاني ، وعدد الشهداء يسير بوثيرة سريعة نحو بلوغ رقم ألف شهيد ، فيما عدد الجرحى والمعطوبين لا يعد ولا يحصى ، ومع ذلك لم تستطع الدول العربية حتى عقد مجرد قمة طارئة ، رغم أننا نعرف مسبقا أن لا جدوى من ورائها حتى لو انعقدت ، ولم يستطع العرب رغم كل “جهودهم” استصدار قرار من مجلس الأمن بوقف المجازر الإسرائيلية التي يتفرجون عليها على شاشات البلازما وإل سي دي بالليل والنهار .
وهذا يعني ، أن حل القضية الفلسطينية يمر بالضرورة عبر دمقرطة البلدان العربية ، كي تكون لدينا أنظمة وحكومات تأتمر بأوامر الشعوب ، كما يحدث في البلدان الديمقراطية التي تسيطر على العالم اليوم ، وليس بأوامر البيت الأبيض الأمريكي .
حينذاك ، يمكن للشعوب العربية أن تدفع أنظمتها الحاكمة رغم أنفها إلى مساندة الفلسطينيين ، ليس ببيانات الشجب والتنديد ، وإنما بالمساومة والضغط على أصحاب القرار في العالم . فلو كانت البلدان العربية ديمقراطية ، لكان العالم العربي اليوم كتلة اقتصادية وسياسية وعسكرية مؤثرة لها صوت مسموع ووزن محسوب ، كالاتحاد الأوروبي . وعندما يجد العدو الإسرائيلي نفسه وجها لوجه مع الفلسطينيين المدعومين بهذه القوة ، فلا شك أن كفتا ميزان التفاوض ستكون متعادلة بين الجانبين ، عكس ما يحدث اليوم ، حيث يذهب الفلسطينيون إلى المفاوضات وهم عراة من أي دعم أو مساندة .
أما خيار الحرب فقد جربه العرب مع إسرائيل ثلاث مرات ، حينما كانت جذورها لم تضرب بعد في تربة الشرق الأوسط ، ومع ذلك لم يزيلوها من الوجود ، أما اليوم فجذور إسرائيل ضربت في عمق تربة الشرق الأوسط ، ولا حل للعرب سوى أن يقبلوا بالعيش والتعايش معها ، رغم أنها ستظل على الدوام مثل شوكة حادة في حلوقهم المترهلة .
لكن المصيبة الكبرى ، هي أن الفلسطينيين اليوم لا يجدون من يدعمهم في صفوف العرب سواء عندما يختارون المواجهة بالسلاح ، أو عندما يجلسون مع عدوهم إلى طاولة المفاوضات ، فبين عام 67 و 2008 ، جرت مياه كثيرة تحت الجسر العربي ، أفرزت أنظمة متغطرسة وطاغية ، و”قادة “مثل الفراعنة ، منهم من قضى أربعين عاما في الحكم ، بفضل الحماية الأمريكية ، وازداد ضعف الشعوب العربية أمام هؤلاء الطواغيت ، حيث خرجت مئات الآلاف من الجماهير العربية قبل أيام لدفع حكامها وحتهم على القيام “بشيء ما” لفائدة الفلسطينيين ، لكن هؤلاء الحكام ظلوا مثل أصنام لا تتحرك ولا تتململ من مكانها . لذلك ضعف الموقف الفلسطيني ، وأصبح الفلسطينيون معزولون .
ولذلك سأقول للمرة المليون ، بأن حل القضية الفلسطينية يمر حتما من باب إصلاح ودمقرطة الأنظمة العربية الحاكمة . ما عدا ذلك يحتاج الفلسطينيون إلى معجزة من السماء كي تجد قضيتهم طريقها نحو الحل النهائي ، ويبدو أن هذا الحل في الوقت الراهن بعيد المنال .
Lesoir2006@gmail.com
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يناير 10th, 2009 at 10 يناير 2009 3:12 م
لقد اصابنا الاحباط على المجازر الإسرائيلية في غزة الفلسطينيين .لدا نعبر عن أسفنا الشديد لحالة الصمت العربي على ما يحدث في غزة.ونطالب الدول العربية بمقاطعة إسرائيل وسحب سفرائها من هناك، والتوقف عن مسيرة التطبيع التي تجري بأوامر أميركية.ومن جهة اخرى نطالب القناتين الاولى والتانية
بالارتقاء لمستوى الحدث، عبر تسليط الضوء على ما يحدث لأبناء فلسطين “بدلا من البرامج التافهة التي تقوم ببثها في مثل هذه الظروف الكارثية التي نمر بها”.
يناير 10th, 2009 at 10 يناير 2009 11:28 م
bism lah wa ina lilah wa ina ilayhi raji3en hasbonalah wa ni3malwakil filistin tedamr tamet tattlob anajda lakin la ahada yatadakhal lihali amochkila al3arab yatafarajen fi chachati atilfaz la ahada yeharike sakinan al amro wadih ikhwani la orido almazidmina alkitaba ia ana laysa fi aydina hal
يناير 11th, 2009 at 11 يناير 2009 7:43 م
كتبت في إحدى تعليقاتي على مواضيعك في هسبريس أن ترجع إلى مقال بإسلام أون لاين وها أنذا أرسل إليك المقال كاملا علك تستفيد منه وتعرف جوهر المشكل، وأعتقد أن النقاش هنا سيكون بهدوء إليك المقال
صواريخ المقاومة الفلسطينية.. نظرة عقلانية
د.عادل بن أحمد باناعمة
صواريخ المقاومة.. ترفع تكلفة الاحتلال الإسرائيلي
مدخل…
(ومقابل ماذا يحشرون شعبهم المشلول في حبسٍ مأساويٍ، حبسٍ اسمه غزة، ويستمرون في إطلاق صواريخ لا تفعل أكثر من حفرٍ صغيرةٍ في أرصفة تل أبيب.. ثم يغضبون عندما تهرشهم إسرائيل القبيحة، بتلك البشاعة، وتجعل بيوت المدنيين ركاماً مختلطاً بعظامهم، بل يطلقون ألسنتهم بالسباب واتهام العرب والمسلمين جميعاً بالتواطؤ والخذلان والخيانات، ولا يتذكرون وسط كل هذا من إساءتهم لشعبهم ومقامرتهم به شيئاً )!!
[عبدالله ثابت، جريدة الوطن، العدد: 3015، 3/1/1430هـ]
(جرّب العرب الحروب فلم تزدهم إلا خبالاً وخساراً، وجرّبوا المقاومة المسلّحة فلم تزدهم إلا رهقاً وتشتتاً وضياعاً … “حماس” تنطلق من رؤية جماعة الإخوان المسلمين التي تريد الوصول إلى السلطة بأي ثمنٍ والمحافظة عليها بأي سعرٍ، حتى لو كان الثمن دماء الفلسطينيين ودمار غزّة، وأن يخربوا بيوت الفلسطينيين … إنّ جرح فلسطين الغائر لن يحلّه الغوغائيون، ولن ينقذه المتاجرون به، بل حلُّه يكمن في العقل والحكمة والسياسة الواعية المنضبطة، بعيداً عن الشعارات والهتافات الفارغة التي تضرّ أكثر مما تنفع).
[عبدلله بن بجاد، صحيفة الاتحاد الإماراتية 1/1/1430هـ]
(وذبيحة غزّة التي لم ينِ الجزّار الفاتك الإسرائيلي يعيث فيها تقتيلاً وتجريحاً وتدميراً هي ذبيحة لها جلاّب أوصلها لحتفها، فالجزّار الإسرائيلي لم يستيقظ ذات صباحٍ ليقول سأهاجم غزّة هذا الصباح، ولكنّ المتحرّشين به (بلا سببٍ!!) هم الذين جلبوها له على طبقٍ من دمٍ وشعاراتٍ وغوغائيةٍ، وهم الذين قالوا له بلسان الحال اذبحها لنمشي في جنازتها).
[عبدالله بن بجاد، صحيفة الاتحاد الإماراتية، 8/1/1329هـ]
(قليل من الألعاب النارية، التي قتلت من الغزاويين أكثر مما قتلت من الإسرائيليين، وتهجم إسرائيل، وينسى الجميع البرنامج النووي الإيراني، وهذا هو كل ما تريده إيران، كما «القاعدة» وكل المنظمات المتطرفة التي لم تحظ بدولة).
[تركي الحمد، الشرق الأوسط، 3/1/1430هـ]
(واليوم، ونحن على صدى تبرعات جديدة لفلسطين، نفكر ونسأل، ويخرج السؤال من الحلق إلى الخلق بعد طول صمت: هل تجد السعودية التقدير الشعبي العام بعد ذلك كله؟).
[فارس بن حزام، جريدة الرياض، العدد:14799، 2/1/1430هـ]
هذه عباراتٌ طائفةٍ من الكتابِ والمثقفين تعليقاً على حربِ غزةَ الطاحنة التي ذهب ضحيتها حتى هذه اللحظة قرابة ستمئة شهيد.
عبارات - وإن حاولَتْ عبثاً أن تجعل بين يديها مقدمات تضامنية مع الشعب المحاصر - لا تنتهي إلا إلى خذلان غزةَ وأهلها، لتكون ( قصفاً ) آخر فوق القصفِ الذي تتعرضُ له! ولاسيما عند يقول أحدهم إن المقاومة تحرشت بإسرائيل بلا سبب!! بلاسبب!! هكذا !! لم تفعل إسرائيل شيئاً تستحق به أن يوقف في وجهها!!
وفي حين نجدُ كتاباً غربيين بل يهود ( روبرت فيسك، وماري فويس، وكاسيلرز مثالاً ) يشنّون حملةً شعواء على إسرائيل ووحشيتها وهمجيتها ويصرحون بأنَّ للمقاومة حقَّها المشروع يشنّ إخواننا هؤلاء - غفر الله لهم - حرباً شرسةً على المقاومة الفلسطينية!
لن ألتفت كثيراً للتوافق العجيب بين هذه المقالات وتصريحات بوش وأولمرت وساركوزي! ولن أدخل في سياقات تخوينٍ وعمالةٍ! فتلك أمورٌ يصعبُ الجزم بها من أجل موقفٍ فكريّ أو رأيٍ سياسيّ. وسأحاول - بصعوبة بالغةٍ- أن أتجرّدَ من العواطف الثائرة لأناقشَ هذه الأطروحاتِ بذات العقلانية التي تزعم أنها تتحلى بها.
على هذا دار القُمْقُم…
تتبنى هذه الأطروحات في مجملها ثلاث أفكارٍ رئيسةٍ :
الفكرة الأولى: أنَّ صواريخ المقاومة و(ألاعيبها) القتالية هي السبب المباشر فيما حدث لغزّةَ، وبالتالي فهي شريكة (للجزار) في جريمة (الذبح)، بل هي التي وضعت الشاةَ بين يدي الجزار وأمسكتها بعنف ليتسنى له الذبح كما يريد!
الفكرة الثانية: أنّ المقاومة الفلسطينية الإسلامية إنّما تسعى إلى السلطة من جهة، وتحقيق أجندة خارجية من جهة أخرى، وكل ذلك على حساب الفلسطينيين المساكين، متاجِرةً بدمائهم، غير عابئة بأرواحهم!
الفكرة الثالثة: أنَّ المقاومة الفلسطينية لا تشكر جميلاً، ولا تحفظُ معروفاً، وأنّها تستلم تبرعاتِ الدولِ بيد وترجمهم بحجارة التخوين باليد الأخرى!
وجِماعُ هذه الأفكار الثلاثة أن المقاومة الفلسطينية المسلحة ( غلطانة من ساسها لراسها ) كما تقول العامة! أو هي غارقةٌ في الرَّطَأِ واللُّغابةِ والتَّهْتارِ والطَّرَطِ (كلها بمعنى الحماقةِ)،ورموزها أصحابُ هَذَرٍ وكَنْخَبةٍ ( كلها بمعنى الخلط في الكلام ) كما يقول العرب الأقحاح!
بعبارةٍ أخرى تفضي هذه المقولات إلى فكرةٍ مركزية واحدةٍ هي أنَّ خيار المقاومة المسلحة خيار خاطئٌ من كل جهةٍ. وأن الحل ّ - كما قال أحدهم - يكمنُ ” في العقل والحكمة والسياسة الواعية المنضبطة، بعيداً عن الشعارات والهتافات الفارغة التي تضرّ أكثر مما تنفع”.
وسأكون هنا معنياً بمناقشةِ الفكرةِ الأولى فحسب؛ لأنّه من العبثِ أن يصدق عاقل أن أولئك المقاتلين الذين حملوا أرواحهم على أكفّهم، واصطفوا في طوابير الشهادةِ منذ عشرات السنين هم طلاب سلطة! نحن نفهم أن يكون الفارُّون من المعتركِ، والذين يعيشون في الرفاهيةِ يجنون الملايين، والذين يكتفون بالتصريحات وهم آمنون، نفهم أن يكون أولئك طلاب سلطة.. لكنْ كيف يكون طالبَ سلطةٍ من يشرع صدره للموتِ، ويطلبُ الشهادة بابتسام؟ وكيف يكونُ طَلاّبَ سلطةٍ من لم تُغيِّر السلطةُ شيئاً من أحواله المادية والاجتماعية؟
كيف للمقاومة أن تكون باحثةً عن سلطةٍ وكل قياداتها تقريباً نالت الشهادةَ أو تعرضت لمحاولة اغتيال؟
ثم كيف تكون ( متفرّسةً ) ذات أجندة إيرانية (فارسية) وهي التي جاءت بطوعها إلى صلح مكةَ تلك الخطوة التي أغضبت إيران غضباً شديداً لأنّها أعطت للسعودية شرف السبق؟
وأمّا المنُّ على إخواننا بتبرعاتِنا، والغضب إذا اشتكوا من بعض تقصيرنا، فلا أجد لها مثلاً إلا طالباً كلِّف بثلاث واجباتٍ، فأنجز واحداً منها على وجهه وأغفل اثنين، فلما لامه أستاذُهُ على ترك الواجبين غضب وقال: ألا يكفيك أنني حللتُ الواجبَ الأول بإتقان!!
حسناً .. لقد تبرعنا .. وأردنا بذلك وجه الله لا شكر الناس .. وقد شكرَنا إخواننا مع ذلك علناً ورحبوا بوقفتنا لكنهم عتبوا علينا أننا تركناهم يموتون ويقتلون وقد كان بوسعنا أن نفعل أشياء كثيرة.
هل أخطؤوا ؟! لا أظن!
ولكن هكذا يظنُّ من يمنُّ على الناس بما أعطاهم ..بل .. بل بما أعطاهم غيره!!
ولو شئنا أن نجريَ على هذا النفسِ من ( المَنِّ ) فإنَّ المنة هي لإخواننا الفلسطينيين، فهم الذي أوقفوا طموحاتِ إسرائيل التي لو تركت لالتهمتنا ولكانت طائراتها اليوم فوق بيوتنا! وعليهِ فإنّنا كل ما أعطيناهم لا يساوي جزءاً يسيراً من فضلهم علينا بصدّهم هذا العدوان وإيقافِهِ عند حدوده.
لكل ماسبق قلتُ: إنني سأقتصر على مناقشة الفكرة الأولى .. فكرة أن صواريخ المقاومة هي سبب المشكلة.
مقارنةٌ تكشفُ الحقيقة..
لنبدأ نقاشنا من هذه المقارنة التاريخية بين ماحدث قبل اثنتين وأربعين سنة ومايحدث الآن.
في حرب حزيران 67 تمكّنت إسرائيلُ من تدمير كامل سلاح الجو الأردني ، ومعظمِ السلاح الجويّ السوريّ ، وعددٍ كبيرٍ من طائراتِ الجيش العراقي!! واستولت على منابع النفط في سيناء !! وسيطرت إسرائيل على منابع مياه الأردن!! وتحكمتْ في خليج العقبة!! واكتشف العربُ أنّهم خسروا - في خمسة أيام فقط - عشرة آلاف شهيد وجريح ، وخمسة آلاف أسير ، وأنّه قد شُرّد نحو 330 ألف فلسطيني !! وأنَّ إسرائيل قد احتلت أراضي من خمس دول عربية هي: مصر (شبه جزيرة سيناء وغزة)، وسوريا (هضبة الجولان)، ولبنان (مزارع شبعا)، والأردن (الضفة الغربية والغور)، والسعودية (جزيرتا تيران وصنافير على مدخل خليج العقبة) .. واكتشفوا أيضاً أنّ ما احتلته إسرائيل في تلك الحرب ضاعف مساحتها ثلاث مراتٍ!! [ انظر : فلسطين دراسات منهجية : 304 ] و[الاستراتيجيات العسكرية : 315 ] .
وأبشع من هذا كله .. ضاعت القدس!!
لم تكن إسرائيل وقتها في مواجهةِ الفلسطينيين وحدهم بل واجهت العرب جميعاً..
العرب الذين كانوا يمتلكون قرابة ألفين وثلاثمئة دبابة مقابل ألف دبابة إسرائيلية!
العرب الذين كانوا يمتلكون قرابة ستمئة طائرة بإزاء مئة وسبعٍ وتسعين طائرةً إسرائيلية!
العرب الذين كان تعداد مقاتليهم ثلاثمئة وثلاثين ألفاً بإزاء مئتين وخمسين ألفاً من الإسرائليين!
ومع تفوق ميزان القوى لصالح العرب كان ما كان .. وشهد الخامس من حزيران يونيو 1967م أقصر حرب في التاريخ .. حرب لم تدم أكثر من خمسةِ أيام ضاع فيها كل شيء!!
انتهت المقاومة .. وانكسرت الجيوش .. واستسلم الجميع !!! وبقيت الجولان وسيناء وشبعا محتلةً حتى الآن أو في حكم المحتلة!!
واليوم ..
ها نحنُ في اليوم الخامس عشر من أيام حرب غزةَ الغاشمة..
الحربُ التي بدأت بغتةً بعد تطميناتٍ (عربية) للفلسطينيين بألا شبحَ حربٍ يلوح في الأفق!!
الحرب التي اختارت إسرائيل لبدايتها توقيت الذروة ( الحادية عشر والنصف صباحاً ) ليزداد عدد الضحايا.
الحرب التي ألقت وتلقي فيها إسرائيل بثقلها العسكري أطناناً من القذائف على بقعةٍ صغيرة لاتتجاوز مساحتها 300 كلم مربع.
الحرب التي لم تتصد لها إلا المقاومة الفلسطينية دون أن يكون لها عون عسكريٌّ من أيِّ جهةٍ خارجية.
الحربُ التي كانت فيها الأنظمة العربية عوناً على الفلسطينيين بإغلاق المعابر، وكبح المسيرات، والتباطؤ في عقد القمة، والتراخي في اتخاذ قرارات شجاعةٍ مؤثرةٍ.
الحرب التي كان فيها بعض الفلسطينيين عوناً على إخوانهم حتى إنهم لم يجدوا شيئاً يقولونه سوى التصريح بأنهم ( جاهزون ) لملء الفراغ السياسي الذي سيحصل في غزة بعد العدوان!!!
الحرب التي لعبتْ فيها الآلة الإعلامية لعبتها القذرة فجعلت الضحيةَ مجرماً وشغلت الناس بصواريخ المقاومة عن أطنان قذائف الأباتشي!!
ومع كل هذه الوقائع والحقائق .. إلا أنَّ صواريخ المقاومة مازالت تنطلق! بل إنها بلغت حيث لم تبلغ من قبل!! وأصابت أكبر قاعدةٍ جوية إسرائيلية!! وبدأ اليهود يختبئون في الملاجئ!!
وما إن بدأ الاجتياح البريّ حتى حصدتْ المقامةُ أرواح عشرات الجنود الإسرائيليين!!
هل لاحظنا الفرق بين الموقفين؟
إنَّ يهودياً واحداً داخل إسرائيل لم يصب بالفزع عقيب حرب سبعة وستين .. وهانحن نرى في حرب غزة مليون إسرائيلي في دائرة الخوف ، يدخلون إلى الملاجئ ، ويعطلون دراستهم ، ويبكون !!
إنّ مسؤولاً يهودياً واحداً لم يساوره القلق عشية حرب سبعة وستين وفي حرب غزة يرى الملايين عبر شاشات التلفزة وزيراً يهودياً يغلبه الفزع ويختبئ تحت سيارة ليبث من هناك تهديداته وتوعداته !!
كانت ابتسامةُ ليفي أشكول وموشي دايان تتسعُ مع مرور كل يوم من أيام الحرب وما بعدها، وهانحن نرى ابتسامات أولمرت وباراك وليفني تتقلصُ مع مرور كل يوم!!
ما الذي تغير؟
ما الذي جعل دول العربِ مجتمعةً تنهزم أمام حرب الأيام الخمسة بينما تصمدُ حركات مسلحةٌ في وجهِ حربٍ ضروس؟
إنّ تبنّي فلسطين الداخل لخيار ( المقاومة المسلحة ) هو الذي أحدث هذا الفارق الجوهري !
إنّ ( حجر ) المقاومة ، و(مقلاع) المقاومة، (وبندقية) المقاومة، و(صاروخ) المقاومة .. هو ما أحدث هذا البون الشاسع.
وهذا ما يجب أن نعيه جيداً .. قبل أن نزعم أن ( صواريخ المقاومة) هي مشكلة فلسطين.
باعتقادي أن الصواريخ هي ( حل ) وليست ( مشكلة ) .. فقد كنّا نُضربُ ونصمتُ و(نبوس) كفَّ من ضربنا .. على الأقل الآن نُضربُ ونضرِبُ.
تاريخٌ حافلٌ بالدمِ…
وربما كان بالإمكان تصديقُ أن صواريخ المقاومة وحدها كانت سبباً لعدوان إسرائيل لو لم تكن إسرائيل نفسها قد نفذت عشرات المجازر البشعة دون أن تستفزّها صواريخُ ولا حتى حجارة!
لقد ارتكبت إسرائيل نحو 70 مجزرة بحقِّ الفلسطينيين بهدف التهجير والتطهير العرقي، برزت منها 17 مجزرة بشعة منها دير ياسين وقبية واللد وعيلوط والطنطورة والصفصاف وصبارين وغيرها.
وأكثر من هذا امتدت مجازر إسرائيل إلى خارج حدود فلسطين!!
في الـ11 من فبراير 1967 نفذ الجيش الإسرائيلي مجزرة أبو زعبل بمنطقة القاهرة وقتل 69 عاملا مصرياً فيما جرح مائة آخرون.
وفي الثامن من أبريل 1970 نفذت إسرائيل مذبحة مدرسة بحر البقر بمنطقة بور سعيد قتل خلالها 46 طالبا بالصف الأول وجرح 16 آخرون.
وفي عام 1982 نفذت قوات الكتائب والقوات الإسرائيلية بقيادة وزير الدفاع وقتذاك أرييل شارون مجزرتي صبرا وشاتيلا اللتين قتلا فيهما نحو 1600 شخص.
وفي عام 18 أبريل 1996 استهدفت مجزرة “عناقيد الغضب” مدينة (قانا) وقتل يومها 109 مدنيا لبنانياً كثيرون منهم أطفال ونساء احتموا داخل مقر لقوات الأمم المتحدة, وأصيب بالمجزرة 351 شخصا آخرون. [ انظر تفصيلا أوسع لهذه المجازر في http://www.almotamar.net/news/33318.htm
هذه نماذجُ فقط ..
فهل كانت صواريخ المقاومة التي لم وجد إذْ ذاك سبباً في هذه المجازر؟!
إنَّ قراءة تاريخ كثير من هذه المجازر يبين بوضوح أنها كانت بمبادأة إسرائيلية! أي أنها لم تكن بسبب استفزازٍ ما! إلا إذا اعتبرنا أن بقاء الإنسانِ في أرضِهِ وعدم مغادرتِهِ لها استفزازاً !!
ولو تتبعنا التاريخ لوجدنا أن كل انتخابات إسرائيلية سبقتها مجزرة عاصفة، فشارون تصدر بعد مذبحتِهِ (جهنم المتدحرجة)، وبيريز صعدتْ به إلى رئاسة الوزراء (عناقيد الغضب)، وليس سراً أن ليفني تخوضُ عبر هذه الحرب معركةً انتخابيةً، ويكفينا أنّ وكالة الأنباء الفرنسية ذكرت في بداية الحرب أنَّ باراك وليفني سجلا تقدما في الاستطلاعات على نتنياهو جراء الحملة على غزة!
وقد نشرتْ وكالة فلسطين برس للأنباء بتاريخ 13/11/2008م - أي قبل عدوان غزة بشهرٍ ونصفٍ، وقبل أن تعلن المقاومة انتهاء الهدنة ـ نشرت هذا التصريح : "حذّر الأمين العام المساعد للجامعة العربية لشئون فلسطين السفير محمد صبيح من خطورة الفترة التي تدخل فيها إسرائيل انتخابات جديدة والتي يزداد خلالها الهوس واستعمال العنف والقتل خارج نطاق القانون، المدان دوليا لتحقيق أهداف سياسية".
[http://www.palpress.ps/arabic/index.php?maa=ReadStory&ChannelID=46094]
زد على ذلك أن جُلَّ الذين تولوا رئاسة وزراء إسرائيل كانوا أعضاء في منظماتٍ إرهابيةٍ لها تاريخ حافلٌ بالجرائم.
فهل نظن بعد هذا أن المقاومة لو استسلمت لذَبْحِ الحِصار، ولم تحرك ساكناً لما أصاب غزة ما أصابها، ولما ذبحها (الجزار)؟
ثم هل من العقلانية و الواقعية الغفلة عن عشرات التقارير التي ملأت صحف العالم والتي تتحدّث عن إعداد لهذه الحرب المدمرة منذ ستة أشهر ؟ بل تحدثت عن تواطؤ دولي هنا وهناك؟ وأضواء خضراء تلقتها إسرائيل من قريبٍ وبعيد؟
كيف تصبح صواريخ المقاومة سبباً بينما إسرائيل تعد للحرب وقت توقف هذه الصواريخ واشتغال الغزيين بمشكلة الحصار ؟
التزامٌ ووفاء…
حماس لم تنهِ الهدنة .. الهدنةُ كانت تنتهي تلقائيا في 19/12/2008م وما أعلنته حماس أنها لن تجدد الهدنة . وعدم تجديد الهدنة شيءٌ آخرُ يختلف تماماً عن خرقها.
ولم يكن عدم تجديد الهدنة قرار حماس وحدها .. بل كان قرار جميع الفصائل الفسطينية في غزة .. كان قراراً إجماعياً .. يمكنُ أن نتفهّمه جيداً عندما نتذكر شروط التهدئة الرئيسة: (وقف العدوان، رفع الحصار، فتح المعابر، نقل التهدئة إلى الضفة الغربية)، هذه هي شروط التهدئة فهل نفذت إسرائيل منها شيئاً؟
وهل من العقل أن توافق غزة على تمديد الهدنة بينما إسرائيل تنتهكها شروطها الرئيسة فتحاصر غزة وتخنقها وتمنع عنها الماء والغذاء والوقود والكهرباء؟ هدنة مع حصار وتجويع؟ أهذه سياسة أم تياسة؟
أم أن العقلانية والحكمة لاتكون إلا بالتسليم المطلق والخضوع التام للإملاءات الإسرائيلة؟
لقد أدرك (أردوغان) - وهو سياسي ذهب في التعاون مع إسرائيل إلى مدى بعيد _ هذه الحقيقة وكان شجاعاً في إعلانها حين حمّل إسرائيل المسؤولية لأنها هي التي لم تلتزم بالتهدئة ورفضت عرضا تركيا للوساطة بينها وبين حماس.
خيارات الداخل…
المتكلمون عن استفزاز صواريخ المقاومة يصورون للناس أن فلاناً وفلاناً من القادة يتاجرون بالشعارات وأن الشعب هو الضحية!!
إن الجواب يأتي من الشعب نفسه..
الشعب الفلسطيني الذي خرج قبل الحرب بأيامٍ قليلةٍ في حشودٍ ضخمةٍ مؤيداً لخيار المقاومة والجهاد .. ومصطفا مع الحكومة التي اختارها ، ” ووفقاً لوكالات الإنباء فإن هذا الاحتشاد الشعبي كان الأضخم في التاريخ الفلسطيني المعاصر” [ من مقالة للدكتور مهنا الحبيل ]
صدقوني هذه الملايين لم تخرج من أجل سواد عيون فلان أو فلانٍ، أو تعلقاً باسم حركةٍ أو حزب لقد خرجت تأييدا لخيار المقاومة الذي يمثله اليوم فلان وقد يمثله غداً غيره.
جرى ذلك في الوقت الذي عجز فيه ( خيار المفاوضات ) حتى عن عقد مؤتمره العام بسبب كثرة الانشقاقات والاختلافات التي كان حلها بفصل الكوادر المشاغبة كما قيل !!
الشعبُ الذي قيل إن ( المقاومة ) حشرته في ( صندوق ) ضيق، وتاجرت بدمه، وجعلته عرضةً للعذاب.. هذا الشعبُ هو الذي يخرج هاتفاً للمقاومة مؤيداً لبرنامجها، وهو الذي اختارها ابتداءً لتحكمه وقد كان على وعيٍ ببرنامجها ومعرفةٍ بمنطقها المقاوم… وهو الذي نسمعُهُ - عبر الفضائيات والاتصالات الهاتفية الشعبية- في قلبِ الحربِ يشدُّ على يد المقاومين ويطلب منهم الانتقام من اليهود.
ثم نأتي نحن لنقول .. مسكين هذا الشعب!! قامر به أبطال حروب الحناجر!!
السؤال المعاكس…
وهناك جانب يجب الالتفات إليه ..
دائماً ما يتحدث هؤلاء المتهمون للمقاومة بمنطق : انظروا ماذا سببت المقاومة من دمار باستفزازها لإسرائيل ..
ولكن أحداً منهم لم يطرح السؤال بشكل معاكس : ماذا كانت ستفعل إسرائيل لو لم تكن هناك مقاومة ؟!!
ألم تكن إسرائيل إذْ قامت تتحدث عن دولة عظمى من البحر إلى النهر ؟ ألم تكن تتحدثُ عن إبادة كاملةٍ للفلسطينيين ؟ هل نسينا تصريحات ليفي أشكول وجولدا مائير وموشي دايان وإسحاق رابين ؟!! ماالذي خفض سقف الطموحات الإسرائيلية؟ وقلل أحلامها؟
أليست المقاومة المستمرة هي التي أجبرت إسرائيل على بعض التنازلات ؟ أليست ( السلطة الوطنية ) التي يدعو أربابها اليوم إلى ترك خيار القتال أليست هي وليدة المقاومة والقتال ؟ أكان اليهود يسمحون بشيء كهذا على هزاله لولا ما وجدوه من مقاومة صلبةٍ ؟
الصواريخ والنموذج الإدراكي…
لنطرح المسألة من زاوية أخرى .. هي الزاوية الفكرية الاجتماعية :
يجب أن ندرك جيداً أنّ معظم المستوطنين الإسرائليين الحاليين هم مجرد مرتزقة، فأكثرهم لم يأتِ به إلى فلسطين إلا الرخاء المادي الذي وفرته له الحكومة ، وإذا كانت الأجيال الأولى من المستوطنين ذات بعدٍ دينيٍّ عقديٍّ في قدومها إلى فلسطين فإن الأجيال الحالية - ومع تزايد معدل العلمنة - تبحث عن العيش الرخيِّ الهانئ! ويدلك على هذا أن الإعلان عن المستوطنات الإسرائيلية في الصحف الغربية لم يعد يتحدث بمنطق العودة إلى أرض الأجداد !! وإنما بات يتحدث عن مزايا المستوطنة مادياً فقط!!
إذنْ الخارطة الإدراكية للمستوطن اليهودي أنه سيأتي إلى أرض ينعم فيها بالرخاء المادي والنعيم والاستقرار .. إذا فهمنا ذلك جيداً أدركنا أنَّ (كل ما ينغص على المستوطنين حياتهم هو في النهاية إحباطٌ للمخطط الصهيوني)!
المسألة إذن ليست مسألة صواريخ لاتزيد على أن تثقب حفراً في شوارع إسرائيل.
المسألة أن هذه الصواريخ البسيطة تهز النموذج الإدراكي للمستوطنين من أساسه، وبالتالي تدفعهم للهرب، ومن ثم يفضي ذلك إلى زوال نموذج إسرائيل كدولة آمنة مستقرة. [ انظر ما كتبه د.المسيري في تجربته الفكرية ص : 524 ـ 526 ].
هل فهمنا الآن قيمة الصواريخ؟ بل حتى قيمة الحجر الذي يلقيه الطفل الفلسطيني على اليهود؟
إنَّ تعطيل الدراسة في جنوب إسرائيل بسبب صواريخ المقاومة يعني شرخاً هائلاًُ في البنية الإدراكية التي صرفت إسرائيل مليارات الدولارات لتغرسها في نفوس مواطنيها.
إنّ صاروخ المقاومة لا يثقب حفرة في أرض إسرائيل فقط .. بل يثقب الكيان الإسرائيلي بأكمله.
الكيل بمكيالين…
ومن عجيب هذه القضية أن كل دولةٍ عربيةٍ - ومعها مؤرخوها وكتابها - تصوِّر حروبها التأسيسية والتحررية على أنها حروب كرامةٍ ووطنية ثم تُصَوَّرُ حرب المقاومة في فلسطين على أنها حرب عبثية بصواريخ ورقية؟!!
في عام 1233هـ قرر عبد الله بن سعود آخر أمراء الدولة السعودية الأولى مواجهة إبراهيم باشا والي مصر، على الرغم من الفارق الكبير في العدة والعدد بين دولةٍ ناشئةٍ ودولةٍ راسخةٍ مدعومةٍ من قبل الخلافة العثمانية. انتهت المعركة باستسلام عبدالله بن سعود، وسقوط الدولة السعودية الأولى، ولم نسمع أحداً يصف تحركاتِهِ بالتهوّر والحماقة!
في عام 1319هـ سار الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله بأربعين رجلاً وثلاثين بندقية ومائتي ريال إلى الرياض لفتحها!! أربعون رجلاً فقط ببنادق قديمة يخوضون حرباً لفتحِ مدينةٍ واسترجاع مُلْك!!
ومع الفارق الجنوني في العدة والعتاد .. لم نسمع أحداً من إخواننا الكتاب يصف هذه المواقف السعوديّة بالجنون والتهوّر واستفزاز الخصمِ القويّ!
وفي قلبِ القاهرة ينتصبُ شامخاً ( نصب الجندي المجهول )، لقد أقيم هذا البناء (تكريماً) للشهداء الذين قضوا في حرب الاستنزاف!! لقد كانوا أبطالاً إذن ولم يكونوا حمقى ولا متهورين!! وأكثر من هذا أنك ترى التاريخ المصريّ يتغنّى ببطولات المصريين الذين واجهوا الاستعمار الفرنسي بأسلحةٍ بدائيةٍ بعضُها السيوف والسكاكين!! [ اقرؤوا سيرة عمر مكرم ]، كانوا أبطالاً إذن ولم يكونوا مستفزّين لدولة عظمى!!
التاريخ السوري يتغنى بمعارك الأبطال مع فرنسا، والتاريخ الجزائري يفخر بالمليون شهيد في الحرب مع الاستعمار، والتاريخ الليبي يكاد (يقدّس) عمر ال
يناير 12th, 2009 at 12 يناير 2009 9:21 ص
ما هدا الهجوم على المقاومة الباسلة؟ أتريدون أن نسلم و نستسلم هكدا و بكل بساطة. حماس تواجه قوة مسلحة بكل ضراوة. إنها تدافع عن الشعب الأعزل و لو في حرب غير متكافءة. لا تلوموا القاومة و تنتقدونها من صالوناتكم. بل يجب رفع تحية إكبار للمواجهتها و لتصديها للعدو. في ظل الصمت الدولي و العربي خاصة, تواجه وحيدة المقاومة قوة شرشة تمتد جبروتها من الدول العظمى. لهدا لا داعي لنقد المقاومة, ما دام لا أحد يتجرأ على مسح دمعة طفال أبرياء.
لمنتقدي المقاومة, أوجه هدا السؤال : ما هو البديل الدي تقترحونه في ظل التخادل الدولي و العربي ؟
أنا أقول أنه لا خيار للمقامة لرد الإحتلال الغاشم. من لديه فكرة أخرى, فليطرحها للنقاش. عاشت فلسطين حرة بإدن الله. و دوم الحال من المحال
يناير 12th, 2009 at 12 يناير 2009 9:28 م
ننتظر تعليقاتك على التعليق
يناير 13th, 2009 at 13 يناير 2009 5:34 م
خبر عاجل اسي محمد ليس في غزة بل في المغرب سيارة فارهة مكسورة الواجهة الأمامية، زجاج نافذتها الأمامي والجانبي مهشم. رجال جرحى مرميين فوق الطريق يتضورون ألما. حراس أمن يتراكضون مذعورين ورجال أمن يحيطون بالسيارة المهاجمة. عندما شاهدت الشريط المصور بالهاتف لهذا المنظر، اعتقدت أول الأمر أنه مصور من قناة فضائية لمنظر في غزة، حيث تكثر مناظر الأجساد النازفة المرمية في الشوارع هذه الأيام. لكن صاحب الشريط نبهني إلى أن المنظر حدث عندنا في المغرب، وبالضبط أمام باب محطة القطار بالقنيطرة بعد زوال يوم الجمعة الماضي.
ففي الوقت الذي كان المحجوب بن الصديق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، يتابع في الصفوف الأمامية افتتاح مؤتمر حزب الاستقلال، مستمعا إلى عباس يؤلف قصيدة غزل في إنجازاته الحكومية وعلى رأسها الحوار الاجتماعي والاستجابة لمصالح الطبقة العاملة، كانت ليلى بن الصديق، ابنة الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، تطحن وتدوس بعجلات سيارتها «الجاغوار» أجساد ثمانية مستخدمين في شركة الحراسة التي تملكها، كانوا معتصمين في المحطة احتجاجا على عدم صرف أجور رواتبهم المتأخرة.
عندما رأت ليلى مستخدمي شركتها يقفون في طريقها طلبت من سائقها أن يخترق صفوفهم، وعندما رفض أخذت منه عجلة القيادة وصدمتهم وشتتت ثمانية منهم على الطريق