الفقصة

كتبهاmohamed ، في 29 مايو 2009 الساعة: 18:47 م

للأسف لا نتوفر في المغرب على دراسة حول الأسباب التي تدفع المغاربة إلى الإقبال على تدخين السجائر بهذه الشراهة التي نراها اليوم. حيث يصل معدل الإنفاق على السجائر لدى المغاربة إلى 500 درهم في كل شهر، في الوقت الذي لا يخصصون لشراء الكتب والجرائد سوى 60 سنتيما في اليوم!
وإذا كان المدخنون عادة، يعزون إدمانهم على السجائر إلى رغبتهم في التخفيف عن أنفسهم من ضغوط الحياة وضغوط العمل، فهذا التبرير قد يكون لائقا فقط بمواطني البلدان المتقدمة، حيث تسير الحياة بوتيرة سريعة، ويتعرض الناس لضغوط العمل الكثيفة، لدرجة أن دولة متقدمة كاليابان مثلا، ينتحر فيها أكثر من ثلاثين ألف شخص كل عام، بسبب هذه الضغوط. أما في المغرب فليست هناك وتيرة سريعة للحياة، ما دام أن سرعة الحياة عندنا لا فرق بينها وبين سرعة السلحفاة! والناس لا تعاني من ضغوط العمل، ما دام أن فئات عريضة من المغاربة ينعمون تحت "رحمة" البطالة، وحتى الذين يشتغلون يْـمكن يخدمو شهرين ويـﮕلسو تْلتْ شهور!
وإذا عرفنا أن معدل الأجور في المغرب لا يتعدى في أحسن الأحوال ألفا وسبعمائة درهم في الشهر، سنكتشف بعملية حسابية بسيطة أن ثلث أجرة المدخنين كاتمشي غير فالـﮕارو! وعلى ذكر البطالة، أنا لا أفهم كيف استطاعت المندوبية السامية للتخطيط، في الدراسة التي شملت الفصل الأول من سنة 2008 والفصل الأول من السنة الحالية، أن تخلُص إلى أن معدل البطالة في المغرب يستقر الآن في نسبة تسعة بالمائة تقريبا، أي نفس المعدل الذي يوجد في الولايات المتحدة الأمريكية!
ورغم أن الأرقام التي تنجزها مندوبية السيد الحليمي تتمتع في الغالب بقدر كبير من الدقة، إلا أن هذه الدراسة يظهر واضحا أنها لا تمتّ إلى الواقع المغربي بصلة، اللهم إذا كان الذين قاموا بها لديهم معيار آخر عن البطالة مغاير للمعيار المتفق عليه لدى الجميع. وعلى كل حال، فأفواج العاطلين الذين يتم تسريحهم هذه الأيام بسبب الأزمة الاقتصادية،  ومعهم الذين لا يتوفرون أصلا على عمل، عندما يطالعون نتائج هذه الدراسة ستتملكهم بدون شك رغبة في التنفيس عن أنفسهم، والحل الذي يلجأ إليه الكثيرون في مثل هذه الحالات هو التوجه عند "مول الديطاي"!
فكيف يعقل أن تكون نسبة البطالة في المغرب، الذي ينتمي إلى دول العالم الثالث، هي النسبة نفسها التي توجد في الولايات المتحدة الأمريكية؟ هادشي ما يمكنش آسي الحليمي! وإذا كان العاطلون عن العمل في الولايات المتحدة الأمريكية يتوصلون بمساعدات حكومية تصل إلى 300 دولار كل أسبوع، مقابل التزامهم بالبحث عن العمل ودفع طلبين للشغل لدى الشركات والمصانع كل أسبوع، فإن المعطلين في المغرب، ( أقول المعطلين وليس العاطلين، لأن السياسة العامة للدولة هي التي ساهمت في تعطيلهم) لا يتوصلون بأي مساعدة حكومية، وهم أصلا لا يتوسلون الحكومة بأن تمنّ عليهم بالمساعدة، كل ما يطلبونه هو أن توفر لهم مناصب شغل، ولكن أين هو الشغل. فحتى الذين يذهبون إلى غاية العاصمة بحثا عن العمل كل ما يتلقونه هو زخّات من الضربات العنيفة من طرف قوات العنيكري!
وإذا أردنا أن نكون منطقيين نوعا ما، فأغلب الذين يشتغلون في المغرب هم في واقع الأمر عاطلون عن العمل. كيف ذلك؟ الجواب يكمن في كون أغلبهم يشتغلون بالحد الأدنى للأجور، وهو على كل حال لا يكفي حتى للضروريات القصوى للحياة، أما الكماليات فالمغاربة لم يعودوا يرونها إلا في الأحلام! وإذا أضفنا إلى ذلك أن الأغلبية الساحقة من العمال المغاربة لا يتوفرون على أي انخراط في صناديق الضمان الاجتماعي، حيث لا يتعدى عدد المصرح بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ثلاثة ملايين أجير، في الوقت الذي نرى فيه مدراء مؤسسات عمومية كبرى يتوصلون بأجور خيالية على رأس كل شهر، ومنهم مدرب المنتخب الوطني الذي يتلقى راتبا يتجاوز أربعين مليون سنتيم، إضافة إلى تعويضات لا تعد ولا تحصى، ونرى كيف أن وزراء الحكومة ونواب البرلمان يتوصلون بأجور تتراوح بين أربعة ملايين وسبعة ملايين على رأس كل شهر، رغم أنهم لا يفعلون شيئا تقريبا، في الوقت الذي لا يصل فيه أجر المياومين الذي يشتغلون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس في أعمال شاقة حتى إلى ألفي درهم شهريا، سنفهم أن الذي يجعل المغاربة يدخنون بشراهة هو "الفقصة"!
وهناك ملاحظة مهمة تتعلق بكون المغاربة الذين يقرؤون الجرائد عادة ما يفعلون ذلك وهم جالسون في المقهى، فليس سهلا أن تطالع أخبار الاختلاسات والفساد التي تنقلها الصحافة صباح كل يوم دون الاستعانة بالكافيين والنيكوتين. لأنك عندما تطالع هذه الأخبار تكون على يقين مسبق من أنها ستمرّ على المسؤولين المتورطين فيها مرور الكرام، ولن يفتح القضاء أي متابعة في حقهم. وفي الغد تقرأ أخبارا "سوداوية" جديدة، دون أن يكون لديك أمل في أن يتم وضع حد لهذا "المسلسل السوداوي" الذي لا أحد يعلم متى سينتهي.  إيوا بالسيف الواحد يكمي حتى صباعو!
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الفقصة”

  1. لقد قال ابن خلدون فيما مضى: إذا كنت في المغرب، فلا تستغرب.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر