مذكرات طفل خجول ( الحلقة التاسعة عشر ) - صلح مع "بقشيش" -

كتبهاmohamed ، في 25 يوليو 2007 الساعة: 12:22 م

 

 نحن الآن في صباح السادس عشر من شهر شتنبر عام 1992 ، هذه هي آخر سنة دراسية لي هنا في مدرسة القرية ، السي مصطفى رفقة زوجته الأستاذة رقية إضافة إلى السي الحسن حضروا جميعهم يوم أمس ، الجو حار جدا هذا الصباح كما هي العادة دائما في صباحات شهر شتنبر ، الشمس ترسل أشعتها الحارقة على قمة الجبل الذي يطل على القرية ، والتلاميذ جميعهم يحتمون بظل شجرة الأركان الضخمة التي تتوسط ساحة المدرسة . الأستاذة فاطمة انتقلت إلى فرعية أخرى من دون أن تتصالح مع الأستاذة رقية .

صباح أمس قمنا بتنظيف جميع حجرات الدرس ، إضافة إلى بيت المعلمين وساحة المدرسة ، الجو هذه السنة يبدو غريبا جدا ، هناك في دواخلي حزن صامت يحرق قلبي ، ويجعل علامات الكآبة بادية على وجهي ، ربما لأننا أصبحنا أربعة تلاميذ فقط بعدما كنا ستة في السنة الماضية ، زميلنا أحمد رحل إلى الرباط قبل أن نتم الموسم الماضي ، أما زميلنا محمد فقد قرر والده أن يفصله عن الدراسة ليرعى الغنم ، وقد يرحل عنا زميل آخر في أي وقت ، قرارات الآباء تخضع لمزاجهم فقط ، هم لا يفكرون إلا في مصلحتهم الخاصة ، أما مصلحتنا نحن الأطفال فلا أحد يفكر فيها ، هم يبعثون بأبنائهم إلى الرباط والدار البيضاء من أجل العمل في المحلبات ودكاكين البقالة ، بينما  يقضون هم كل وقتهم في النوم أو الجلوس أمام دكان بقال القرية .

بقيت إذن أنا ومحمد وعبد الله وإبراهيم ، كنا أربعة تلاميذ فقط في القسم .

في عطلة الصيف الماضي تصالحت مع "بقشيش" لم يعد الآن يرجمني بالحجارة ولا بكلماته اللاذعة ، ولم يعد يناديني باسم البطة كما كان يفعل في الماضي ، أصبحنا الآن صديقين ، لقد كبرنا الآن وبدأت عقولنا تنضج شيئا فشيئا ، لكن الذي ساعد كثيرا في إقامة الصلح بيننا هو أن "بقشيش" كان مريضا جدا ذات يوم من أيام عطلة الصيف ، فحملته أمه إلى الزاوية من أجل طلب الشفاء له ، الناس القرويون لديهم إيمان راسخ بأن " شرفاء" الزاوية يستطيعون مداواة جميع الأمراض عن طريق الدعاء . وكانت نساء كثيرات يأتين إلى الزاوية كل يوم طلبا للشفاء ، كان بعضهن يأتين على ظهور الدواب من دواوير بعيدة جدا ، وكانت أخريات يأتين من المدينة على متن سيارات أزواجهن الجميلة، وكلما ارتفع عدد النساء الوافدات على الزاوية تزداد سعادتنا ، لأن ذلك يعني أننا سنحصل على كميات وافرة من الحمص والكاكاو والحلويات التي تغدق بها علينا أولائك النسوة .

النساء حنونات جدا ، لذلك لا يمكن أن تأتي امرأة إلى الزاوية دون أن تجلب معها هدايا صغيرة تفرح بها الأطفال ، بينما الرجال لا يعرفون حتى معنى الهدية .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة التاسعة عشر ) - صلح مع "بقشيش" -”

  1. جيد جدا أيها الصديق محمد, إنني أسمتع جيدا بمذكراتك وصفك في البداية ليوم السادس عشر وصف يدل على تمكنك من أدوات السرد الروائية جميل تابع وتحياتي أنا أتابع ذكرياتك الجميلة وتحليلك العفوي …

    دمت مبدعا أخي الراجي.

    صديقك بوعبيد عبد اللطيف

  2. إدراج جديد من المغرب على مدونتي تحت عنوان عيسى و موسى و قهقهات

  3. أمر فضيع في أي قرية كنت تعيش!??مزحة بريئة,

    أمر يطالب به كل رجال التعليم فصل عدد تلاميذه صغير لكن أربعة فقط و لأسباب قاهرة شيء لايبعث على الفرح بل الإستياء!!

    أتمنى أن تستعيد مافاتك و تواصل التحصيل و تثقيف نفسك

  4. لا أدر ي يا سيد عبد اللطيف من أي قاموس أستطيع استخراج الكلمات المناسبة كي أعبر لك عن شكري الكبير …

    عموما أنا ممتن لك كثيرا على هذا الاهتمام …شكرا جزيلا سيدي الكريم …

  5. سوف ألبي الدعوة الكريمة يا أختي نونو …

    بحول الله طبعا وقوته …

  6. … ولكي أؤكد لك لك يا سيدة نونو أن كل ما رويته صحيح مائة في المائة ، وأن قريتنا بالفعل غريبة …سوف أخبرك أن شقيقي الصغير اجتاز القسم السادس في مدرسة قريتنا لوحده فقط …!!!!… بمساعدة مدير المجموعة المدرسية ، وبمساعدة نعلمة رقيقة وطيبة اسمها عائشة ….جزاها الله كل خير

    وطبعا صدقي أو لا تصدقي …



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر