مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثالثة والعشرون ) - دموع الفراق الأبدي -
كتبهاmohamed ، في 30 يوليو 2007 الساعة: 17:29 م

كانت وفاة دادا حسن ، أول وفاة تحدث في الزاوية منذ أن بدأت أعرف ما هو الموت . لأول مرة أرى نساء الزاوية يذرفن دموع الفراق الأبدي بحرقة شديدة ، كل واحدة منهن تذرف دموعها وتنتحب في صمت ، ماعدا والدة المرحوم ، كانت تبكي وتنتحب بصوت مسموع جدا ، كانت المسكينة تبكي بحرقة وتستعطف الله بكلمات غير واضحة ومتقطعة ، بسبب الحشرجة التي تصاحب صوتها المبحوح من كثرة البكاء .
كنت واقفا بجانب باب الغرفة وقد شبكت ذراعي الصغيرتين حول صدري ، أنظر إليها وهي لا تحس بوجودي ، كانت تنظر إلى صورة المرحوم المعلقة على حائط الغرفة ، تحملق فيها بعينيها الحمراوين الذابلتين في شرود تام ، وكأنها تراها للمرة الأولى .
كان مشهدا مؤثرا للغاية ، لأول مرة أرى نساء القرية يبكين بهذا الشكل العنيف ، سبق لي أن رأيتهن يبكين غير ما مرة عندما يودعن عمتي فاطمة المقيمة في الدار البيضاء ، بعد انتهاء أيام العطلة الصيفية التي تقضيها رفقة أبنائها في الزاوية ، لكنهن سرعان ما يكفن عن البكاء ، ويستعدن الإبتسامة التي لا تفارق شفاههن ، الآن كل شيء مختلف ، لقد مضى يومان على وفاة المرحوم ، وما زالت نساء الزاوية ومعهن نساء الدواوير المجاورة يبكين بحرقة شديدة . لقد دفناه في المقبرة ، وهو الآن عند الله .
الرجال لا يبكون مثل النساء ، عندما كنا في المقبرة تفحصت وجوههم جميعا ولم أر الدموع في عيون أحدهم .
عندما انتهت الصلاة توجه ثلاثة رجال إلى النعش الخشبي الطويل ، وأخرجوا المرحوم بمهل مثلما تخرج الأم رضيعها من المهد ، كانت رائحة المسك تفوح من جسده الملفوف داخل لحاف أبيض ، والده كان واقفا إلى جذع شجرة واضعا راحة يده اليمنى على خده المزين بلحية بيضاء مشذبة بعناية ، ويبدو الحزن العميق ظاهرا من خلال عينيه الشاردتين، ثم قام أحد الرجال بنزع حزام سرواله الجلدي ولفه حول ركبتي المرحوم ، بينما نزع رجل آخر عمامته البيضاء التي كان يضعها على رأسه ولفها على صدره ، ثم قاموا بإنزاله إلى القبر ، فسرت قشعريرة عنيفة في عروقي ، حتى بدأت أسناني تصطك لوحدها ، واجتاحتني رغبة شديدة في العودة إلى البيت كي أختبئ في حضن أمي ، لكني خفت أن يعترضني ملك الموت في الطريق ويسلب روحي الصغيرة ، لذلك تحملت وبقيت هناك إلى أن انتهت عملية الدفن الرهيبة ، ثم قرأ الطلبة سورة "يس" ، وانصرف الجميع دون أن تسقط دمعة واحدة من عيون أحدهم ، أنا الوحيد الذي بكى من بين كل الحاضرين ، كانت قطرات الدموع الدافئة تنزل بمهل من عيوني ، وعندما تقترب من فمي أخرج لساني وألتقطها ، لم أكن أتركها تسقط على الأرض ، طعمها كان مالحا مثل مياه البحر…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 31st, 2007 at 31 يوليو 2007 11:37 ص
على مدونتي بعد أمينة خديجة , أدعوكم للقراءة
تحياتي
يوليو 31st, 2007 at 31 يوليو 2007 2:05 م
تحياتي أخي العزيز محمد الراجي، شكرا على مرورك بمدونتي المتواضعة وعلى تعليقك، سررت باكتشاف مدونتك.. وسأسعد أكثر بمتابعة “يويميات طفل خجول” فهي تشد المرء بلا مجاملة بدء بعنوانها إلى أسلوبها الجميل مرورا بتفاصيل أحداثها.. شكرا ثانية، أتمنى لك التوفيق، أرجو دوام التواصل.. وإلى اللقاء.
يوليو 31st, 2007 at 31 يوليو 2007 10:34 م
شكرا على الدعوة الكريمة التي سوف ألبيها انشاء الله يا نونو…
يوليو 31st, 2007 at 31 يوليو 2007 10:35 م
بدوري أشكرك يا حاجي على الزيارة الكريمة …
واتمنى أن يبقى التواصل مستمرا ودائما …
أغسطس 1st, 2007 at 1 أغسطس 2007 10:20 ص
شكرا سيدة نونو على الدعوة الكريمة التي سوف ألبيها بحول الله عما قريب ….
أغسطس 1st, 2007 at 1 أغسطس 2007 9:43 م
مساء الخير
زورت مدونتك وتجولت بها وراق لي ما وجت بها فهي دوحة غناء في جنة خضراء طاب لي ما بها وسعدت بزيارتى لها واعجبنى مقالاتك وابداعتك الراقية والعميقة الاثر ..سلمت يداك وعقلك وفكرك .
اتمنى زيارتكم مدونتى وموقعى الشخصي ومجلتى رؤى وجهات اللتان أرأس تحريرهما يشرفنى زيارتك لها والمشاركة بهما اذا اردت وانا في انتظاركم.
الصديق
حسن غريب أحمد
كاتب وشاعر وناقد وروائي
الموقع الشخصي http://www.hassan2034.jeeran.com
الموقع الشخصي الثانى http://www.hassan6007.jeeran.com
مجلة رؤى الثقافية الشاملة http://www.roaa3000.jeeran.com
مجلة جهات الإبداعية الثقافية المحكمة http://www.gehat.jeeran.com
مع مودتى ومحبتى الدائمة لك وفي انتظاركم
حسن غريب
أغسطس 11th, 2007 at 11 أغسطس 2007 8:33 م
اخي راجي حرام عليك قطعت قلبي يا هدا وبنفس الوقت رسمت ابتسامة على شفتي .
الاول لانني تاترت بوفاة قريبك وبتصويرك لحزن كل من بالقرية
والتاني لانني احسست بعمق العلاقة التي تربط بين اهل القرية و بمدى ايمان والد المرحوم الدي رفض البكاء وضل حزينا كما ابتسمت ايضا من تصورك لملاك الموت وخوفك منه .
فعلا اخي دمت مبدعا
سبتمبر 20th, 2008 at 20 سبتمبر 2008 2:00 م
مقالاتك جميلة جدا. يعجبني أسلوبك و دقة الوصف. إستمر في الكتابة. أعانك الله و رمضان مبارك سعيد