مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثلاثون ) -دمعة الوداع…-

كتبهاmohamed ، في 9 أغسطس 2007 الساعة: 20:52 م

مسح أبي يديه بالمنشفة ، وأعاد طقم الأسنان الاصطناعية إلى مكانها داخل فمه ، ثم قام من مكانه ودخل إلى الغرفة .

أمي ما تزال واقفة في مكانها تسند كتفها إلى الحائط ، وتتفحصني بنظراتها المتسائلة من دون أن تقول شيئا ، لا شك أنها تريد أن تتحدث إلي ، لكن شيئا ما في حلقها يمنع الكلمات من الصعود إلى لسانها .

بعد لحظات خرج أبي من الغرفة حاملا حقيبته الجلدية ذات اللون البني الغامق ، وعلى رأسه تنتصب عمامته البيضاء الموضوعة بعناية متناهية .

يا إلاهي ، لقد حان موعد الرحيل .

شقيقي الصغير ما يزال يغط في نوم عميق ، دخلت إلى الغرفة ورسمت قبلة صغيرة على جبينه الدافئ ، ثم جلست أنظر إليه ، عيناه مغمضتان ، وأنفاسه تتصاعد بمهل من أنفه الصغير . وتذكرت الموت ، تذكرت صورة ابن عمي حسن الذي مات قبل عامين ، كان المسكين نائما كعادته وفي الصباح عندما ذهبت أمه لإيقاظه بعد أن تأخر كثيرا في الاستيقاظ وجدته جثة بلا روح ، أتذكر أنني كنت أول من التحق بها بعدما سمعت الصرخة المدوية التي أطلقتها ورددتها أسوار منازل القرية ، وجدت ابن عمي حسن مستلقيا على ظهره ، لكن الأنفاس لا تتصاعد من أنفه ، لقد مات.  ثم سمعت أبي يناديني :

- هيا يا محمد ، يجب أن نرحل قبل أن تشتد حرارة الشمس .

خرجت من الغرفة ورأيت أبي يمد يده اليمنى إلى أمي لتوديعها ، هكذا كانا يتصافحان دائما ، أبي يمد يده اليمنى وأمي تنحني عليها راسمة فوقها قبلة احترام عميقة ، إنها قمة التأدب والاحترام .

تنحنح أبي ثم خرج بعد أن تبادل كلمات الوداع مع أمي ، دون أن ينتظر حتى أتوادع معها أنا أيضا ، لا شك أنه فعل ذلك حتى لا يرى دموعنا . أمسكت بيدي أمي بكل قوتي ثم انحنيت عليها راسما فوقها قبلة حارة طويلة ، وقبل أن أرفع رأسي أحسست بقطرة ماء دافئة تسقط على رقبتي ، إنها دمعة الوداع ، خرجت دافئة من عيون أمي ، كانت ستسقط على الأرض ، لكن رقبتي منعتها من ذلك . رفعت رأسي والتقت عيناي بعينيها المغمورتين بالدموع ، فتنهدت بعمق ثم قالت بصوت متقطع :

- سأشتاق إليك كثيرا يا بني .

- أنا أيضا سأشتاق إليك كثيرا يا أمي .

- راجع دروسك جيدا واهتم بدراستك كما كنت تفعل دائما هنا ، وانتبه لنفسك جيدا .

أومأت برأسي في إشارة  إلى الموافقة التامة ، دون أن أضيف كلمة واحدة ، لقد انسد حلقي ، ولم تعد الكلمات تستطيع الصعود…

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

5 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثلاثون ) -دمعة الوداع…-”

  1. ممتاز هذا الرصد للحظة الوداع, ممتاز حكيك أخي محمد, قد لا أتفق معك في مسألة تقبيل اليد من طرف الوالدة للوالد ليس التأدب ولكنه الخنوع أتذكر والدتي كانت تغسل رجل والدي, إنه الخنوع والهيمنة الذكورية التي كانت تعشش في عقول آبائنا والطاعة العمياء والخنوع الذي كان يعشش في عقول أمهاتنا.

    هل تلك العلاقات بين الآباء والأمهات كانت سليمة؟؟؟

    تحياتي ودمت مبدعا صديقك عبداللطيف.

  2. وصفك متقن و تقدم مستمر في مستوى كتاباتك و أسلوبك. تهاني و تحيات نونو

    لكن لا تنسى أن تخبرنا أين ذهبت الماما و تركتك

  3. أهلا بك من جديد يا صديبقي عبد اللطيف …

    في الحقيقة أنا أعتبر تلك القبلة التي كانت أمي ترسمها على ظهر كف والدي الأيمن ، شيئا دالا على الإحترام ، …الآن الناس ما بقاتش كاتبوس اليد ولكن …الحناك …وأعتقد أنه من المستحيل أن تقبل امرأة زوجها على وجهه أمام الملأ في قريتنا ، لذلك كانت النساء يقبلن أيدي أزواجهن …

    السلام بالوجه أصبح هو السائد ، ولم يعد أحد يقبل اليد سوى المسؤولون المغاربة الذين يقبلون يد سيدهم محمد السادس ..

    هادي أسي عبد اللطيف فيها ماشي غير الخنوع ، ولكن العبودية المطلقة ، ..

    وشكرا جزيلا على الاهتمام …مع تحياتي الصادقة

  4. سيدة نونو مرحبا بك ….

    أولا أشكرك على الكلمات الرقيقة ، واتمنى على الله أن أكون عند حسن ظنكم جميعا …

    ليست ماما هي التي تركتني ، ولكن أنا من تركتها لوحدها في القرية رفقة شقيقي الصغير ، وغادرت الى المدينة …

    على أي حال سوف تجدين كل التفاصيل في الحلقات القادمة …

    شطرا جزيلا مرة أخرى …

  5. اسمحلي بداية ان اهنئك على المستوى الكبير بالكتابة الدي وصلت اليه لدرجة بت تنافس كبار الكتاب المعاصرين بكل صراحة . واعتقد ان التدوين ساعدك على تحسن كتابتك بشكل كبيرا

    اريد ان اشير اولا الى النقطة التي اتارها الاخ عبد الطيف والاخت نونو وهو تقبل المراة يد زوجها وتسائل الاخ عبد اللطيف

    هل تلك العلاقات بين الآباء والأمهات كانت سليمة؟؟؟

    اقول من وجهة نضري فعلا كانت سليمة ودالك راجع للفترة التي كنا نعيشها زد على دالك طبيعة المجتمع القروي خصوصا بتلك الحقبة وهيمنة العقلية الدكورية ولكن اطلاقا لم يكن دالك خنوعا بل هو حب كبير وتقة مطلقة من طرف المراة ومسؤولية تلقى على عاتق الرجل فالمراة تسلم كل امورها للرجل هو من يؤيها ويعمل من اجلها صحيح انا وباعتباري من الجيل الحديت ارفض ان اقبل يد اي كان حتى لو كان زوجي ولكنني اطلاقا لا استنكر تقبيل المراة ليد الرجل بتلك المرحلة .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر