مذكرات طفل خجول ( الحلقة الخامسة والثلاثون ) - وحدة وحزن … -

كتبهاmohamed ، في 15 أغسطس 2007 الساعة: 17:05 م

نحن الآن في اليوم السادس عشر من شهر شتنبر من عام 1993، هذا هو اليوم الرسمي لبداية الموسم الدراسي في الإعدادية ، بالأمس كنت قد وضعت حقيبتي الخضراء عند حارس الداخلية ، كان من المفروض أن أقضي الليلة الماضية هناك ، لكن أبي فضل أن أبيت معه في المنزل ريثما أستعد لذلك ، كان يعرف أني لست مستعدا بعد للاستقلال بنفسي ، لا شك أنه كان يلاحظ علامات التوتر والخوف بادية على وجهي بشكل واضح .

طيلة هذه الأيام التي قضيناها في مدينة  "بيوكرى" لم أعد آكل إلا القليل من الطعام ، بينما انعقد لساني ولم أعد أتكلم إلا للضرورة .

عندما ذهبت إلى الدار البيضاء في الصيف الماضي أحببت المدينة كثيرا ، وتمنيت لو بقيت هناك إلى الأبد ، الآن أصبحت أكره المدينة كرها شديدا ، حتى ماء الصنبور لم أعد أطيق شربه ، طعمه أصبح غريبا جدا عن لساني ، لقد أصبحت أكره المدينة ولم أعد أحتمل البقاء فيها ، لم يعد يستهويني النظر إلى السيارات ، ولم تعد لدي رغبة في الخروج للتجول بين الأثواب الجميلة واللعب الملونة داخل القيسارية ، لست أدري ما الذي جعلني أتغير بهذه السرعة الكبيرة ، قبل أن أرى الإعدادية وتلك الأمواج الهائلة من التلاميذ التي تتلاطم أمام بابها ، كانت لدي رغبة شديدة في مواصلة الدراسة ، الآن لم أعد أرغب في متابعة الدراسة ولا في أي شيء آخر ، ولم أعد أحتمل حتى البقاء هنا ، كل ما أريده هو العودة إلى القرية عند أمي ، الهدوء الذي يعم قريتنا الصغيرة أفضل بألف مرة من هذا الضجيج الذي يملأ ممرات الإعدادية وساحتها ، لو كان معي زميلي عبد الله ، لكان الوضع أفضل ، لكنهم حرموه من المنحة ، وهو الآن في القرية وحيدا ، وأنا هنا في الإعدادية وحيد ، لا أعرف أحدا ولا أحد يعرفني ، وما دمت وحيدا فلن أستطيع البقاء هنا .

في كل وقت أحس بوحدة خانقة تجثم على صدري بعنف ، كل التلاميذ لديهم أصدقاء ما عدا أنا ، حتى عندما جلسنا إلى مائدة الطعام لتناول وجبة الغذاء كنت وحيدا ، كنا سبعة تلاميذ ، كل واحد يتحدث إلى صديقه ، إلا أنا ، أنا ليس لدي صديق ولا أعرف أحدا ، يالها من وحدة قاتلة .

عندما نظرت إلى الطعام الذي قدموه لنا على المائدة وانسابت رائحته الى أنفي ، انغلقت شهيتي وانتابتني موجة من الكره تجاه الأكل ، رائحة ذلك الطعام تسبب الغثيان عوض أن تفتح الشهية ، قليل من الخبز مع قليل من المرق في صحن صغير تسبح فيه قطعة من لحم الدجاج .

ورغم أننا لم نكن نأكل اللحم في بيتنا بالقرية إلا يوم السوق الأسبوعي ، إلا أن الطعام الذي كانت تعده لنا أمي أفضل بكثير من هذا المرق الأصفر الذي تسبح فيه قطة لحم الدجاج .

أخ زميلي عبد الله الذي قضى عامين هنا ، سبق له أن أخبرني بأنهم يأكلون لحم الدجاج والسمك واللوبيا والعدس في الغداء ، والحليب والعسل والزبدة في الفطور ، ويختمونها بالمقرونية في وجبة العشاء ، كنت أشتهي هذه المأكولات قبل أن آتي الى هنا ، أما الآن فلا أريد لحم الدجاج ولا السمك ولا المقر ونية ، كل ما أريده هو مغادرة هذا السجن والعودة الى القرية عند أمي …

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

9 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة الخامسة والثلاثون ) - وحدة وحزن … -”

  1. السلام عليكم

    هل لديك مانع في ان اسمي مداونتي بهذا الاسم وهل هناك اي خلل فيه ؟؟؟؟

    إنه اول سؤال طرح عن اسم مداونتي؟

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    أخي محمد أشكرك على زيارتك الطيبة وتعليقك الصريح.. أرجو من الله ألا تكون زيارتك الأولى والأخيرة لمدونتي المتواضعة .

    بلقاسم من الرباط

  3. ربما سيكون اسمك في المستقبل إن شاء الله من كتاب السيرة الذاتية

    أسلوب شيق واسترسال جيد

    بالتوفيق إن شاء الله

  4. اخي محمد جميل ما سردت والاجمل وصفك للداخلية بالسجن فعلا اخي انها سجن لا يدركه الا من يعيشه

  5. يا جمانة … أنا ليس لدي أي مانع في ان تسمي مدونتك بأي اسم شئت ، لأن مدونتك بكل بساطة هي ملك لك وحدك أنت ، ولا يحق لأي أحد آخر أن يتدخل فيها ، لقد سألتك فقط عن سبب اختيارك اسم ” رحلة الى المجهول ” لمدونتك …

    لأني لا أعرف لماذا ترغبين في القيام بهذه الرحلة الغريبة …

  6. لا يا صديقي بلقاسم …لن تكون أول وآخر زيارة ، بل ستعقبها زيارات أخرى …الى بغا الله تعالى بطبيعة الحال ..

    مع تحيايت الصادقة

  7. أخي محمد فولا …لا أعتقد أن تخمينك سيتححق يوما ، لأن كل ما يجمعني بعالم ألدب هو الخير والاحسان لا أكثر ولا أقل ….

    مع تحياتي

  8. أختي آسية …شكرا جزيلا مرة أخرى على زياراتك وتعليقاتك المتعاقبة …

    إنني مسرور كثيرا بهذا الأمر …

    الداخلية فعلا هي بمثابة سجن حقيقي …

    أعتذر عن عدم القدرة على كتابة المزيد ، فأنا أعيش في هذه اللحظات بالضبط وسط عذاب شديد …بسبب الفراق الذي حصل بيني..وبين ………..قلبي ..إنني أكتب فقط بأصابعي أما عقلي فليس حاضرا معي على الاطلاق ….لقد حدث زلزال عظيم في حياتي هذا الصباح …وقد جئت الى السيبير فقط كي لا أذهب الى مكان آخر غير محسوب العواقب ….

  9. السلام عليكم

    أردت أن أعلق على الإدراج لكنني وجدته متسلسل..ربما تسمح لي الفرصة أقرأه من البداية

    أحييك على النفس الحكائي الطويل



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر