مذكرات طفل خجول ( الحلقة الخامسة والأربعون ) -
كتبهاmohamed ، في 13 سبتمبر 2007 الساعة: 12:08 م

كانت الشمس قد أوشكت على الغروب عندما وصلنا إلى القرية ، أحمل حقيبتي الخضراء في يدي وأسير خلف أبي في صمت ، حبل الكلام الذي كان لا ينقطع بيني وبين أبي تمزق الآن ، ولم يعد يكلمني إلا للضرورة القصوى ، لقد أغضبته كثيرا وأنا نادم على ذلك .
عندما دخلنا إلى البيت كانت فرحة أمي لا توصف ، عانقتني بقوة وضمتني إلى حضنها الدافيء ، ثم أمسكت رأسي بين راحتي يديها وركزت عينيها على عيوني وكأنها تبحث فيهما عن شيء مفقود . حدس الأمهات قوي جدا ، لديهن حاسة سادسة تستطيع إخبارهن بالأشياء التي لا يستطيع حدس الرجال إدراكها . بمجرد أن نظرت أمي في وجهي قالت لي بأني لست على ما يرام ، وعندما أخبرها أبي بكل شيء لم تصدق في البداية ، واعتقدت أن أبي يمازحها فقط ، ولما أيقنت أني فعلا قررت الانقطاع عن الدراسة علا وجوم رهيب وجهها الدائري ، وغرقت في ذهول غير مصدقة ما سمعته . ثم ما لبثت أن خرجت من صمتها ، وشرعت في طرح شلال من الأسئلة عن السبب الذي جعلني أقرر الانفصال عن الدراسة ، كانت أسئلتها تخترق صماخ أذني مثل إبر حادة ، كانت تسألني وأنا مطأطأ رأسي دون أن أجيب بكلمة واحدة ، وعندما تعبت من إلقاء أسئلتها المؤلمة صمتت برهة ، شهقت أثناءها شهقة طويلة ثم شرعت تترجاني أن أعود إلى الإعدادية ، وظلت هكذا إلى وقت متأخر من الليل ، بكت كثيرا حتى اعتقدت أن الدموع التي تذرفها بغزارة رهيبة ستقلع أهداب عينيها الحمراوين مثلما يقتلع الوادي الذي يخترق القرية شجيرات اللوز المصطفة على جنباته عندما يهيج ، ورغم أن منظرها أثر إلى درجة لا يمكن تصورها في نفسي ، إلا أنها عندما قالت لي : هل تعدني بالعودة إلى الإعدادية ؟ أجبتها بصوت حزين : لا. فأطفأت الشمعة المثبتة على حائط الغرفة وارتمت في فراشها وهي تنتحب بشدة ، ثم أخفيت رأسي تحت اللحاف الذي أتقاسمه مع شقيقي ، وانهمرت الدموع الحارقة من عيني بغزارة ، واختلط نحيب أمي بنحيبي في فضاء الغرفة المظلمة .
طيلة ثلاثة أيام كاملة قامت أمي بجهود جبارة من أجل إقناعي بالعودة إلى الإعدادية ، قالت لي بأن الرجال غير المتعلمين لا يساوون شيئا ، ولا قيمة لهم في الحياة ، وقالت لي أيضا بأن الدراسة ستساعدني على أن أصير شخصا مهما عندما أكبر .
أمي و " نانا " ( المرأة التي قطعت حبل السرة الذي كان يربطني بأمي لحظة ولادتي ) إضافة إلى نساء الزاوية حاولن إقناعي بالعودة إلى الإعدادية ، عمي أيضا حاول إقناعي ، لكنهم فشلوا جميعا . هناك صوت في دواخلي يناديني بقوة ألا أعود إلى الإعدادية .
وفي النهاية حسم أبي في الأمر ، لقد خيرني بين أمرين اثنين لا ثالث لهما ، إما أن أعود إلى الإعدادية ما دام أن الحارس العام قد تعاطف معي ومنحني مهلة للتفكير قبل أن يشطب على اسمي بصفة نهائية ، وإما أن أذهب معه إلى مسجده البعيد كي أحفظ القرآن الكريم هناك .
رفع أبي أصبعه الوسطى وسبابته وقال موجها كلامه نحوي :
- اختر واحدة من هاتين ، إما أن تعود إلى الإعدادية ، وإما أن أصطحبك معي إلى المسجد.
فقلت بصوت متلهف :
- سأصطحبك إلى المسجد .
- إذن جهز حقيبتك الآن ، غدا سنغادر القرية بعد صلاة الفجر .
حينها غرقت أمي في بكاء حاد جعلني أغادر البيت وذهبت إلى الوادي ، هناك جلست تحت جذع شجرة ضخمة ، وأطلقت العنان لدموعي لتنهمر مثل شلالات هائجة ، ولم أعد إلى البيت إلا عندما بدأ الظلام يسدل ستائره السوداء على القرية .
وهكذا حدث الطلاق بيني وبين الدراسة إلى الأبد ، وانتهت بذلك أحلام أمي التي كانت تتمنى دوما أن أصير معلما أو طبيبا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 13th, 2007 at 13 سبتمبر 2007 2:03 م
شكرا لتعليقك الذي قادني إلى عوالم طفل خجول.
طفل اتخد قرارا مصيريا وهو في سن مبكرة جدا، ودافع عنه وفرضه على الجمع، بغض النظر عن مدى صوابية قراره ذاك، شخصيا لن اصفه بالخجول، ساقول إنه طفل قوي..قوي جدا.
تحياتي.
سبتمبر 13th, 2007 at 13 سبتمبر 2007 6:47 م
awwwww..moi qui est ton frere je savait tte cette histoire la….vraiment bizar….3ich nhar tsme3 khbar
سبتمبر 13th, 2007 at 13 سبتمبر 2007 6:53 م
ecoute mon frere…moi aussi je croi que je vai faire la meme chose que t’a fait…car c’estb trop pour moi……hhhhhhhhhhhhhhhhhhhhh
سبتمبر 14th, 2007 at 14 سبتمبر 2007 5:42 ص
إختيار صبياني خاطئ و استسلام من الوالدين و ظروف قد تكون قاسية لكن هناك ماهو أقسى منها في المغرب.
لكن الخلاصة الدنيا حظوظ أو لنقل أقدار فعندما كنا صغارا كان والداي و خاصة أمي على صلة مع المدرسات و المدرسين كتابيا تسألهم عن نتائجنا و سبل تقدمنا في الدراسة و كنا نتحدث عن مايزعجنا و تتدخل هي أو أبي بتحضر و تحل المشاكل لكنك كنت في داخلية الإعدادية الكئيبة أمك بعيدة هناك في قرية ما على خريطة المغرب مثلك مثل ملايين آخرين.
تخيل أنني وأن أتجول في ربوع المغرب للسياحة إستغربت أنه لازال هناك بدو رحل.
لاتعليم لا شهادات لا منزل لا إستقرار فقط قطعان من الماعز..
المهم حظا سعيدا و إن كان عندك وقت و تركيز للقراءة تفاصيل موت رسول الله نشرتها على مدونتي وما الدنيا إلا متاع الغرور
سبتمبر 14th, 2007 at 14 سبتمبر 2007 6:04 م
أخي الغالي محمد رمضان مبارك كريم و كل عام و أنت و جميع من تحب بألف خير
سبتمبر 14th, 2007 at 14 سبتمبر 2007 8:49 م
تحية طيبة الى الاخ الراجي
ورمضان مبارك
أولا حرام عليك نكدتي الوالدة
ولكن عقل الصغر هداك ما كاين ما تدير …..
والان وانت كبير حاول أن لا تنكدها من جديد
اتحدت عن مقالك الاخير في هسبريس
أظنك فهمت قصدي
تحياتي الخالصة
أخوك يوسف كرمي
سبتمبر 14th, 2007 at 14 سبتمبر 2007 10:14 م
tebarekalah 3lik o 3la almawdo3 deyalek
سبتمبر 15th, 2007 at 15 سبتمبر 2007 2:02 م
حوار بين السانتا كلوس و هلال شهر رمضان على مدونتي.
أدعوك للقراءة
سبتمبر 15th, 2007 at 15 سبتمبر 2007 4:12 م
اجدد تحياتي لك ..و اظن ان حزن الاب و الام على ابنها يدل على صلاحهما و معرفتهم بضرورة الدراسة (عكس اغلبية الاباء ابان تلك الفترة) و كما اظن ان كرهك للمدرسة فليس دليلا على كرهك للدراسة لانك وافقت على دراسة القران في المسجد و من هنا اجد ان العيب يوجد في المدرسة في حد داتها وليس في التلميد
سبتمبر 15th, 2007 at 15 سبتمبر 2007 10:50 م
أشكر جميع الإخوان والأخوات الذين تركوا تعليقاتهم على هذا المقال ، وأعتذر عن عدم الرد على الجميع حيت الظروف ما كاتسمحش مع كامل الأسف ……