مذكرات طفل خجول ( الحلقة السادسة والأربعون ) -الماء الطاهر -
كتبهاmohamed ، في 15 سبتمبر 2007 الساعة: 22:51 م

بدأت الأيام تمر بسرعة بطيئة جدا هنا في مسجد أبي ، أستيقظ دائما على الساعة السادسة صباحا ، أبي يحرص دائما على أن يكون كل شيء مضبوطا ومنظما داخل المسجد ، إنه يحب النظام إلى درجة لا توصف ، مثل ضباط الجيش .
في المكان المخصص للوضوء ، أجد في كل صباح إناء مملوءا بالماء الساخن ، المسجد ليس به مرحاض ، لذلك أضطر دائما إلى قطع مسافة طويلة كل صباح حتى أستطيع قضاء حاجتي الطبيعية في فضاء الطبيعة .
بعد الوضوء ، أدخل إلى قاعة الصلاة ، وأصلي صلاة الصبح أمام المحراب لوحدي ، كلما دخلت إلى قاعة الصلاة تنتابني رعشة خوف شديدة ، فهناك في الركن الأيمن للقاعة يقبع نعش خشبي طويل واقفا على أربعة أرجل قصيرة ، كلما رأيته إلا وعادت صورة ابن عمي حسن لتتراقص أمام عيوني ، وعندما أشرع في الصلاة تعود تفاصيل عملية دفنه التي حضرتها قبل ثلاثة أعوام لتخترق ذاكرتي بعنف ، دائما يعود شريط عملية الدفن وكأنه مات فقط يوم أمس ، الرجال الذين أخذوه من النعش بمهل ، والحزام الجلدي والعمامة البيضاء التي لفوها حول رجليه وصدره قبل أن ينزلوه إلى القبر ، ورائحة المسك والكافور التي انبعثت من الكفن الأبيض الذي لف فيه قبل أن يختفي تحت الثرى ، وصورة والده وهو واقف إلى جذع الشجرة التي تتوسط المقبرة وهو واضع راحة يده اليمنى على خده الأيمن ، وصوت الطلبة الذي يخترق فضاء المقبرة وهم يقرؤون سورة يس ، كل هذه الصور الرهيبة تمر أمام عيوني . وعندما أسجد على الأرض أتخيل أن الموت قد يأتي في أي لحظة ليسلب روحي ، فترتفع دقات قلبي وترتفع معها السرعة التي أؤدي بها الصلاة ، وعندما أنتهي أسند ظهري إلى الحائط وأرقب النعش بعين حذرة ، لا أعرف لماذا وضعوا ذلك النعش المخيف في قاعة الصلاة ، كنت أتمنى لو أخبر أبي بأني خائف ، لكني خشيت أن يسخر مني ، لذلك تحملت خوفي .
بعد الانتهاء من الصلاة ، أحمل لوحتي الخشبية وأشرع في حفظ ما كتبته عليها قبل أن أغسلها .
يا له من عالم جديد ، هنا لا مكان لأقلام الحبر والطباشير ، ولا مكان للكتب المليئة بالصور والدفاتر . أقلام القصب الغليظة تحل محل الأقلام الجميلة التي ألفتها في المدرسة ، واللوحة الخشبية الطويلة التي يتوسطها ثقب واسع في الأعلى يتدلى منه خيط سميك يحل محل الدفاتر . لكن مهما يكن فهذا العالم الجديد ليس غريبا عني ، وما ساعدني كثيرا على الانسجام فيه هو تلك الأيام التي كنت أقضيها عند عمي الحاج محمد في مسجد قريتنا أثناء العطل .
لو كان عمي ما يزال حيا لما أتيت إلى هنا عند أبي ، كنت سأبقى في القرية عند أمي وأحفظ القرآن هناك في مسجد القرية ، لكن الموت خطف عمي من دون رحمة قبل سنة ، لقد أصبحت أكره الموت كرها شديدا ، خطف ابن عمي حسن قبل ثلاث سنوات ، وخطف عمي الحاج محمد أيضا .
أبي صنع حوضا صغيرا في الركن الأيسر لسطح المسجد حيث أغسل لوحتي كل صباح ، الماء الذي أغسل به اللوحة يجتمع في ذلك الحوض الصغير إلى أن يمصه السقف ، أبي طلب مني ألا أغسل لوحتي إلا في ذلك الحوض حتى لا يضيع الماء الذي يخرج منها ، إنه ماء طاهر ، هكذا قال لي أبي .
شيئا فشيئا بدأت أتأقلم مع هذا العالم الجديد ، أقضي معظم الوقت داخل المسجد ، وفي المساء بعد صلاة العصر أخرج رفقة أبي ، ونقوم بجولة قصيرة في الغابة المجاورة ، ثم نعود مع اقتراب غروب الشمس .
سكان هذه القرية لديهم عادة غريبة تتمثل في كونهم لا يأكلون شيئا آخر غير الكسكس في وجبة العشاء ، كان ذلك شيئا رائعا بالنسبة لي ، وما أعجبني كثيرا هو أن ذلك الكسكس الذي يأتون به إلى المسجد يتم تزيينه بأطراف محترمة من اللحم .
أغلب رجال القرية يشتغلون في مجال الجزارة ، لذلك كانوا يقدمون لنا أطباقا مليئة باللحم ، لا أعرف إن كانوا يأكلون اللحم بهذه الكثرة داخل بيوتهم ، أم أنهم يصنعون ذلك فقط في الوجبات التي يأتون بها إلى المسجد ، لقد سمعت في وقت سابق أن الجزار يبيع اللحم لكن أبناءه يتعشون باللفت والجزر !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 17th, 2007 at 17 سبتمبر 2007 6:42 م
في مجتمعنا الامازيغي يتجاوز رجل الدين مهمته الى اخرى كفض النزاعات…… مماا يبين المكانة التي كان يحظى بها والدك من تقدير و احترام مما يبرهن على تمسكنا بالاسلام كدين و سلوك (عكس ما يدعي الاخرون )
سبتمبر 17th, 2007 at 17 سبتمبر 2007 11:03 م
شكرا أخي طارق على الزيارة والتعليق ، لكني لم أفهم من الذي تقصد تحديدا بالآخرين …