مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثامنة والأربعون ) - أسئلة محيرة …-

كتبهاmohamed ، في 20 سبتمبر 2007 الساعة: 23:06 م

انقضت الآن ثلاثة وعشرون يوما على مجيئي إلى مسجد أبي ، علاقتنا الآن أصبحت رائعة بعدما زالت عنها كل الشوائب التي علقت بها عندما انفصلت عن الدراسة ، أبي الآن لم يعد يسألني عن الإعدادية ولا عن الدراسة التي انقطعت عنها ، الطريقة السريعة التي أحفظ بها القرآن الكريم جعلته ينسى كل شيء ، وقال لي بأن الله هو الذي أراد أن أنفصل عن الدراسة لأني أملك موهبة عظيمة في حفظ القرآن الحكيم .

غدا سنذهب لزيارة أمي وشقيقي في قريتنا البعيدة ، ترى كيف ستستقبلني أمي هذه المرة ؟ هل ستأخذني في حضنها الدافئ ، وتضمني إلى صدرها الحنون ، أم أنها ستشيح عني بوجهها عندما تراني بعدما رفضت أن ستجيب لها عندما ترجتني أن أعود إلى الإعدادية فرفضت ذلك بشدة ، وبكت إلى أن أوشكت الدموع على اقتلاع أهداب عيونها .

كيف ستستقبلني أمي إذن يا ترى ، وهل زال ذلك الوجوم الرهيب الذي علا وجهها الدائري عندما حاولت هي ونساء القرية جميعا إقناعي بمواصلة الدراسة ولم ألب لها رغبتها ، وهل يا ترى عادت حرارة الحب الذي تكنه لي إلى مستواها الذي ظلت مستقرة فيه طيلة ثلاثة عشر عاما كاملا ، أم أنها ما تزال جامدة مثل صقيع القطب المتجمد ، وهل اتسعت المساحة التي أحتلها داخل قلبها بعدما ضاقت كثيرا حتى أوشكت أن تلفظني بعدما انقطعت عن الدراسة .

يالها من أسئلة محيرة .

أبي غارق في نوم عميق وأنا ما زلت مستيقظا ، شعاع ضوء القمر يخترق نافذة الغرفة راسما دائرة غير متناسقة الأطراف على الحائط ، وصوت رقاص الساعة المكلف بعد الثواني ما يزال يرسل رناته الهادئة وهو يقوم بمهمته الأبدية التي لا تنقطع إلا عندما ينفذ مفعول البطارية التي تقبع داخل بطن الساعة .

لقد أصبحت الآن أعرف أن السهر قاس جدا ، وأدركت أن أمي مرت بعذاب قاس طيلة تسعة أشهر كاملة عندما كنت جنينا صغيرا داخل بطنها، ومرت بعذاب أقسى عندما سهرت الليالي طيلة واحد وعشرين شهرا ، وهي المدة التي أرضعتني فيها من ثدييها ، وحتى عندما أصبحت طفلا يافعا كانت المسكينة تستيقظ مرات كثيرة وسط ليالي الشتاء الباردة لتطمئن علي أنا وشقيقي ، وفي أحيان كثيرة تحرم نفسها من اللحاف الذي تغطي به نفسها وتحفنا به أنا وشقيقي إذا أحست أننا نشعر بالبرد ، وفي ليالي الصيف تتضاعف المرات التي تستيقظ فيها لتقوم بجولاتها التفقدية في أرجاء البيت حاملة في يدها شمعة بيضاء ، وهي تبحث عن العقارب التي تبحث بدورها عن جسد طري لتفرغ فيه ذيولها المليئة بالسم القاتل .

ومع ذلك عندما ترجتني بالعودة إلى الإعدادية والدموع الحارقة تنزل من عينيها رفضت تلبية رجائها ، لقد سبق لي أن سمعت مرات كثيرة على لسان المفتي الذي يقدم النصائح الدينية على أمواج الإذاعة كل ليلة جمعة أن الابن الذي لا يستجيب لأوامر والديه يسمى عاقا ، والعاق مصيره جهنم خالدا فيها إلى أبد الآبدين ، فهل أنا عاق يا ترى ؟

أبي غارق في نوم عميق وأنا ما زلت ساهرا مثل جندي صغير في مركز الحراسة على الحدود .

أبي ينام في صمت تام ، نومه لا يشبه نوم عمي إبراهيم ،هذا الأخير عندما ينام تهتز كل الأشياء الموجودة في غرفته تحت وقع الشخير الذي يتصاعد من أنفه مثل هدير محرك الطائرة العمودية الخضراء ، التي نرفع أيدينا لتحيتها كلما مرت في سماء ساحة مدرسة القرية عندما كنت تلميذا ، لا أعرف كيف تستطيع زوجته أن تنام بجانبه وهو يصدر تلك الأصوات المزعجة ، ربما ألفت ذلك ولم يعد يزعجها في شيء .

أبي سبق له أن أخبرني غير ما مرة أن نومه خفيف جدا مثل ريش كتكوت صغير ، قال لي ذات يوم بأنه يستطيع أن يستيقظ بمجرد مرور فأر صغير قرب رجليه ، الآن بإمكاني أن أعرف إن كان ما قاله لي أبي صحيحا أم لا.

دفعت رجلي حتى بلغت بها رجلي أبي لكنه لم يستيقظ ، ثم لمست ساقه بالأصبع الكبير لرجلي اليسرى لكنه لم يحس بشيء ، هو قال لي بأنه يستيقظ بمجرد مرور فأر صغير قرب رجليه ، وها أنا ألمس ساقه بأصبع رجلي ومع ذلك لم يستيقظ ، الآن أعرف أن الرجال أيضا يكذبون ، بمن فيهم الفقهاء ، ليس الأطفال الصغار وحدهم من يكذب  كما كان يقول لنا رجال القرية ، الرجال أيضا يكذبون.

الدائرة التي رسمها شعاع القمر على الحائط بدأت تنسحب في هدوء ، وبدأت مساحتها تتقلص شيئا فشيئا ، عندما أطفأ أبي النور كانت تتوسط حائط الغرفة ، الآن اقتربت من السقف ، وشكلها أصبح جزءا  من الدائرة فقط ، لم تعد دائرة كاملة كما كانت . القمر يتجه نحو مرقده على مهل ، وأبي يغط في سبات عميق ، بينما أنا ساهر .

ترى هل أمي أيضا غارقة في النوم ، أم أنها ما تزال مستيقظة مثلي . نومها خفيف جدا ، هي لم تقل ذلك بنفسها ، لكن العقارب الميتة التي أجدها في صباحات الصيف الحارة أمام باب الغرفة التي ننام فيها ، وجيوش من النمل الصغير تطوف حولها ، تشهد بأن أمي كانت تستيقظ في الليل عدة مرات لتقتل العقارب التي تتربص بنا أنا وشقيقي الصغير ، وبعد ذلك تعود إلى نومها قبل أن تستيقظ من جديد ، وهكذا يمر نومها في فصل الصيف متقطعا حتى صار بلا معنى ، بينما نحن ننام في اطمئنان …

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

9 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثامنة والأربعون ) - أسئلة محيرة …-”

  1. عزيزى محمد انا نيفين عمر صاحبه مدونة كتابات

    يعنى انا بنت ولست رجل كما خاطبتنى

    ثانيا انا لم اقول ان رمضان سبب كسلى ولم انسب للشهر الكريم ذلك

    انا قلت انى الان بلا فكرة محددة كى اكتبها قد يكون كسل وقد يكون حسب طقوس رمضان عندى

    ولكنى لم اكتب ان كسلى بسبب شهر رمضان والعبارتين تفرقان عن بعضهما كثيرا

    وارجو ان تلاحظ هذا الفارق بنفسك حتى لا تتهمنى بما لم اقوله

    شكرا

  2. عزيزي الراجي بالنسبة للندر الخاص بتعيين الوزير الاول ….

    سبق لك انك قلت بان على الهمة هو من سيعين وزيرا اول للبلاد …..

    الان ما العمل أش غادي نديرو ليك دبا نجيو عندك ولا تجي لعندنا

    تحياتي

  3. نعم أخي الراجي أكتب السيناريو درست في المدرسة العربية للسينما والتلفيزيون القاهرة …ولي مجموعة من الأعمال التي ستتبناها القناة المغربية …وادا لاحظت فموقع هسبريس ينشر لي أجزاء سيناريو رحمة والمكتوب …وانا في الخدمة ادا قررت ان تدخل الى هدا الميدان

    تحياتي

  4. كلامك فيه الكثير من البراءة

    تحياتي

  5. مقال رائع اهنئك عليه …اتمنى ان تعلق على مؤامرة و لكن .المدونة تسعد جدا بزيارتك الكريمة و شكرا

  6. أختي نيفين عمر : أعتذر لك أولا عن نزع صفة الأنوثة عنك ، لأني بكل بساطة لم يسبق لب أن سمعت بهذا الاسم من قبل ..

    ثانيا أنا لم أتهمك بأي شيء ، فقط عبرت عن رأيء حول ما قرأته في مدونتك ..وطبعا أنا أعتذر لك إن كنت قد جرحتك …

  7. صديقي يوسف كرمي مرحبا ..

    في الحقيقة أنا الآن محرج جدا لأن رؤيتي للأمور ما صدقاتش هاد المرة ،ولكن على أي حال سوف أحاول أن أجد لنفسي مخرجا من هذه الورطة ،وبالتالي سوف أقول لكم جميعا بان السياسة هاكا دايرة ، هي مسألة نسبية فقط ، يعني ما يمكنش الواحد يقدر وتجي ديما هي هاديك ،.وعموما فوجهي رهن إشارتكم ، إذا لم تسمحوا لي فما عليكم غير توجدو العكر الفاسي ، شرط أن يكون من النوع الحر …يمكن تلقاوه عند السي عباس الفاسي ، أو عبيبيس كما كان يسميه ادريس البصري

    مع تحياتي

  8. أهلا ومرحبا بك يا سيدة نونو ..

    أنا سعيد بزيارتك الكريمة …

  9. سوف أزور مدونتك بكل تأكيد أخي أحمد …مع تحياتي الصادقة



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر