مذكرات طفل خجول ( الحلقة التاسعة والأربعون ) -أمي جندي عظيم -

كتبهاmohamed ، في 22 سبتمبر 2007 الساعة: 20:33 م

أمي تستيقظ مرات كثيرة في ليالي الصيف الحارة ، تحمل الشمعة البيضاء القصيرة في يدها اليسرى ، وتحمل فردة من حذائي الجلدي الثقيل في يدها اليمنى ، ثم تقوم بجولة تفتيش في أرجاء البيت بحثا عن عقرب شحن ذيله بكمية محترمة من السم القاتل وهو يبحث عن فخد طري أو يد ناعمة ليصبه فيه . كم هي شريرة هذه العقارب ، منظرها مخيف جدا ، ولا تعرف الرحمة إلى قلبها سبيلا، لا أعرف ما هو الشعور الذي يعتريها عندما تغرز ذيلها في منطقة من مناطق جسد الإنسان ، ولا أعرف ما هو الدافع الذي يدفعها إلى اقتراف جرائمها هذه في حقنا ، في كل صيف يصير الليل في القرية محفوفا بالمخاطر ، العقارب وأنواع أخرى من الحشرات السامة تغادر جحورها التي ظلت قابعة بداخلها طيلة فصل الشتاء والربيع مشكلة خطرا محدقا على سكان القرية .

في كل صباح من صباحات الصيف أجد عقربا أو عقربين أمام عتبة باب الغرفة ، وحولهما تطوف جيوش من النمل الصغير .

ورغم أن أمي كانت لا تأوي إلى فراشها في الليل حتى تضع سطرا طويلا من مسحوق مبيد الحشرات الأبيض أمام باب الغرفة التي ننام فيها ، إلا  أن بالها لا يهدأ أبدا ، وتخاف أن يعجز ذلك المبيد عن قتل العقارب فتجد طريقها نحوي أو نحو شقيقي الصغير ، لذلك تسهر على حراستنا بنفسها كل ليلة .

أمي جندي عظيم تسهر على حمايتنا أنا وشقيقي الصغير من لسعات العقارب السامة في فصل الصيف ، مثلما تسهر الجيوش على حماية الأوطان على الحدود من الأعداء ، بينما تسهر في فصل الشتاء على حمايتنا من لفحات البرد القارس التي تهب من كل الاتجاهات على قريتنا العارية .

شعاع القمر لم يعد يتسلل من النافذة، لقد رحل القمر وهو الآن نائم في مرقده البعيد ، والغرفة أصبحت الآن مكتنفة بالظلام الدامس ، بينما النوم ما يزال يرفض الاقتراب من جفوني .

وفجأة شعرت بموجة من الندم تجتاحني مثل عاصفة هوجاء، وتذكرت الدموع الحارقة التي ذرفتها أمي بغزارة عندما أقسمت لها أني لن أعود إلى الإعدادية ولو سقطت السماء على الأرض.

وتذكرت ذلك الوجوم الذي علا وجهها الدائري والصمت الرهيب الذي غرقت فيه عندما أصررت على موقفي الرافض للعودة إلى الإعدادية ، وتساءلت مع نفسي ، ماذا لو سخطت علي أمي ؟ وأي معنى سيبقى لهذه الحياة عندما يفقد الإنسان رضا وحب أمه ؟

وإذا كانت أمي قد سهرت على تربيتي وتلبية كل رغباتي الصغيرة طيلة ثلاثة عشر عاما كاملا ، وكانت أمنيتها الوحيدة أن تراني أتابع دراستي وأصير في يوم من الأيام معلما أو طبيبا ، فلماذا لا أحقق لها هذه الأمنية البسيطة إذن ؟

لماذا لا أعود إلى الإعدادية ، فما زالت سبعة أيام تفصلني عن انتهاء المهلة التي منحها لنا الحارس العام لطفا منه قبل أن يشطب على اسمي بصفة نهائية من لائحة التلاميذ . ما زال بإمكاني أن أرضي أمي ، وأمامي سبعة أيام كاملة أستطيع فيها لو أردت أن أمسح كل الحزن الذي كسا وجها الدائري الذي اكتنفه الشحوب على غير عادته ، وأن أعيد علاقتنا التي اهتزت كثيرا إلى الصورة الجميلة التي كانت عليها في الماضي .

ثم عادت صورة الإعدادية تتراقص بقوة أمام عيناي ، نظرات الحارس العام القاسية وحاجباه المقطبين على الدوام ، وضجيج التلاميذ الذي يهز أرجاء ممرات الإعدادية بلا توقف ، وقاعة النوم وأسرتها التي تزينها خرائط بلا معنى رسمتها عليها مياه بول التلاميذ الذين يفرغون عليها مثاناتهم بالليل ، والرائحة الغريبة التي تنبعث من كؤوس الشاي  التي يقدمونها لنا في قاعة الأكل.

"لا …لن أعود إلى الإعدادية مهما كان" ، قلتها في نفسي وقد سارت قشعريرة من الخوف ممزوجة بأحاسيس غريبة من أعلى رأسي إلى أخمص قدماي .

ما أصعب أن تجد نفسك محاصرا بين موقفين متناقضين ، أن تلبي رغبات أشخاص تحبهم مقابل القيام بأشياء تكرهها ، أن تنتزع ابتسامة من شفاههم مقابل الصبر على سهام عدم الرضا وهي تخترق قلبك بلا رحمة .

ثم سمعت أبي يتمتم بكلمات غير مفهومة ، لا شك أنه يحلم ، والله وحده يعلم بماذا ، ثم جاء سلطان النوم وبدأ يراود عيوني إلى أن استسلمتا له عن طواعية …

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة التاسعة والأربعون ) -أمي جندي عظيم -”

  1. سير الله يرضي عليك الى ما ترجع لقرايتك

  2. أنا أسي يوسف شرفت وما بقيتش ديال القراية ….

  3. ربنا يخيلها ليك و يجعلكم من أهل الفردوس الأعلى ، دامت المحبة بينك و بين كل أسرتك

    وفقكم الله

  4. ربنا يحفظها و يرعاها ، بس خوفت عليها



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر