مذكرات طفل خجول ( الحلقة الخمسون ) - يا الها من رائحة مقرفة !-
كتبهاmohamed ، في 24 سبتمبر 2007 الساعة: 10:39 ص

رغم أني سهرت إلى وقت متأخر جدا من الليلة الماضية بسبب التساؤلات الكثيرة التي تقاطرت على مخيلتي حول علاقتي بأمي ، وما إن كنت قد أصبحت عاقا بعدما رفضت تلبية رغبتها بالعودة إلى الإعدادية ، إلا أنني مع كل ذلك السهر الطويل استطعت أن أستيقظ باكرا .
الشوق الذي يعتريني لملاقاة أمي جعلني أستيقظ قبل أن يؤذن أبي لصلاة الفجر ، أطللت من تحت اللحاف الذي يؤويني فوجدت أن الظلام ما يزال يحف الغرفة بلونه الأسود القاتم ، وتمنيت لو أن الشمس تشرق بسرعة كي ينجلي هذا الظلام الأسود .
أشتاق لرؤية أمي الحنونة ، لكني في نفس الآن خائف منها ، هي لن تضربني ، هذا مؤكد ، فطيلة السنوات الثلاثة عشر التي قضيتها لحد الآن على قيد الحياة لم يسبق لها أن رفعت يدها لتضربني في يوم من الأيام ، لكنني أخاف أن أرى الحزن ما يزال مرسوما على وجهها الدائري الأبيض ، لقد عهدتها دوما بشوشة وضاحكة ، ولكن عندما قررت الانقطاع عن الدراسة تغير كل شيء ، وأصبح وجهها شاحبا يعمه الحزن مثل صباحات الخريف المتجهمة ، لذلك أنا خائف ، خائف أن أجد ذلك الحزن الثقيل ما يزال جاثما على عينيها الضيقتين .
وأخيرا بدأ الظلام ينجلي ، وشرعت أشعة الشمس تتدفق من على قمة الجبل الذي يطل بشموخ وكبرياء على القرية ، ما أجمل الجو هذا الصباح ، هدوء المناخ والزرقة الناصعة التي تكتنف السماء ، وزقزقة العصافير التي تمارس شغبها الصباحي الجميل على أغصان أشجار الكاليبتوس المصطفة بعناية إلاهية في الجهة المقابلة للمسجد ، جعلني أشعر بارتياح شامل رغم أن القلق تجاه أمي ما زال يعتريني ، وإذا كان الطقس على هذا القدر الكبير من الجمال في هذا الصباح ، فإن الأمنية الوحيدة التي أتمنى أن تتحقق لي خلال هذا اليوم هي أن أجد وجه أمي قد استعاد جماله وابتسامته الهادئة ، سوف أكون سعيدا للغاية إذا وجدت أمي سعيدة ، وسوف يتضاعف حزني إذا وجدت أن الحزن لم يفارق وجهها بعد .
بعد لحظات سنغادر المسجد ، كل الأشياء نظمتها ، أبي لا يحب الفوضى ، ويريد أن يكون كل شيء منظما بعناية ، الفراش الذي أنام عليه كومته في الركن الأيسر للغرفة ، والملابس القليلة التي أملكها كنت قد جمعتها يوم أمس ورتبتها داخل حقيبتي الصغيرة ، أما اللوحة الخشبية التي أملأها كل صباح بآيات القرآن الكريم فقد علقتها في مكانها المعتاد على الحائط ، أبي أفهمني أن كلام الله يجب أن يظل دائما فوق كل شيء ، لذلك ثبت مسمارا على حائط الغرفة ، وأمرني بتعليق اللوحة عليه عندما أنتهي من حفظها ، المصاحف أيضا خصص لها رفا صغيرا ترتب فوقه بمنتهى العناية .
جلست أنظر إلى حقيبتي الخضراء وهي ترتاح قرب عتبة باب الغرفة ، فيما أبي منهمك على غسل الأواني التي استعملناها في الفطور ، وهو غارق في صمته الصباحي المعتاد ، ترى فيم يفكر ؟
كلما نظرت إلى حقيبتي الصغيرة ، إلا وتذكرت قاعة النوم في الإعدادية ، الليلة الوحيدة التي قضيتها هناك كانت كافية لتلتصق الرائحة الكريهة التي تنبعث من أسرتها المتعفنة بحقيبتي ، يا لها من رائحة مقرفة!
ثم غادرنا المسجد على إيقاع الأدعية التي يرددها أبي كلما هممنا بالذهاب إلى مكان ما .
سيكون علينا السير لساعة كاملة قبل أن نصل إلى السوق ، هناك سنستقل سيارة " الخطاف " الذي سينقلنا إلى أقرب نقطة من قريتنا ، وسيتحتم علينا المشي على أقدامنا مرة أخرى قبل الوصول عند أمي وشقيقي .
أخيرا بدا بيتنا يلوح في الأفق ، كلما اقتربنا منه إلا وازدادت دقات قلبي قوة وعنفا ، أشتاق لرؤية أمي ، لكني في المقابل أخشى أن يكون لقاؤنا باردا جدا مثل النسمات التي تهب على قريتنا العارية في صباحات شهر دجنبر ، فتحول جلد يدي إلى شقوق حادة تشبه حقولا بورية لم يطأها المحراث منذ عقود .
وفي خضم كل تلك الأفكار التي تجول في رأسي ، تناهى إلى سمعي صراخ شقيقي الصغير وهو يهتف باسمي من نافذة البيت ، كان هناك رفقة أمي يترقبان موعد وصولنا ، أنا أيضا كنت دائما أقف إلى النافذة الوحيدة الموجودة في حائط سطح البيت بعد عصر يوم الأربعاء الثالث من كل شهر ، أترقب موعد وصول أبي بلهفة شديدة .
ما أجمل لحظات الانتظار …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 25th, 2007 at 25 سبتمبر 2007 4:32 م
إقلـــــــب الأصبـــع :
لو أن كل متطلع لعيوب غيره ، وكل محب لإفشاء أسرار خلق الله ، وكل متيم بإيهام نفسه أنه أفضل من بقية البشرية ، وكل من يشير بأصبعه للناس فيتهمهم بالنقصان المريع والخروج عن طاعة الله عزوجل ، وعبادة الهوى ، ونسيان الآخرة ، والسعي وراء الشيطان ، لو أنه قلب هذا الأصبع نحو نفسه فتتبع عوراتها ، وأفشى بينه وبينها أسرارها ، وأشار به إليها فاتهمها بما اتهم به غيره فسيجد من أمره وأمرها عجبا …
هذا هو عنوان إدراجي الجديد وبهذه المناسبة أدعوك لمناقشة هذا الأمر معنا
محبتي ومودتي
سبتمبر 25th, 2007 at 25 سبتمبر 2007 4:41 م
إنشاء الله أخي مفجوع الزمان سوف أدلي برأئي حول هذا الموضوع ..علما أنني واحد من دعاة النقد الذاتي أولا قبل توجيه أصابع الاتهام إلى صدور الآخرين …
مع تحياتي الصادقة