مذكرات طفل خجول ( الحلقة الواحدة والخمسون )- تبا لك أيها الموت! -

كتبهاmohamed ، في 26 سبتمبر 2007 الساعة: 11:11 ص

ها أنا أقف أخيرا وجها لوجه أمام أمي، نظرت إلي نظرة تساؤل أخافتني في البداية، لكن خوفي سرعان ما ذاب وسط العناق الحار الذي خصتني به.

فتحت أمي ذراعيها وندت ابتسامة هادئة من بين شفتيها، فارتميت في حضنها الدافئ واضعا رأسي عل صدرها الذي رضعت منه كميات لا أحد يعلم مقدارها من الحليب النقي الصافي يوم كنت طفلا صغيرا.

إنها لحظات لا تنسى أبدا ، ليس هناك ما هو أروع من الارتماء في حضن الأم والإنصات إلى دقات قلبها الهادئة ، تحس وكأنك تعيش في عالم تملأه الطمأنينة والسكينة والهدوء والسلام ، ويسري الاطمئنان في أرجاء جسدك كله ، وتشعر أن ليس هناك مكان أروع وآمن يمكن للإنسان أن يلجأ إليه في كل اللحظات سوى حضن أمه .

لست أدري لماذا تغمرني كل هذه الفرحة والسعادة العارمة عندما أكون بجانب أمي ، ألأنها حملتني داخل بطنها تسعة أشهر كاملة بأيامها ولياليها ، وأرضعتني من ثديها واحدا وعشرين شهرا ذاقت خلالها السهر وكل أشكال العذاب، أم لأننا كن مرتبطين بالحبل السري قبل أن يفصل بيننا مقص " نانا " ذات صبيحة من صباحات شهر غشت قبل ثلاث عشرة سنة .

هناك قوة خارقة تجذبني بشدة نحو أمي ، لكني لا أعرف لحد الآن مصدر هذه القوة . أحب أمي وأحب أبي أيضا ، لكن ثمة ميل واضح أحس به في قلبي نحو أمي ، لا أعرف ما إن كان كل أطفال العالم يحسون بمثل ما أحس به ، أم أنني الوحيد الذي يعتريني هذا الشعور .

في السنة الدراسية الثالثة ، قال لنا الأستاذ إبراهيم في أحد دروس التربية الإسلامية ، بأن الجنة توجد تحت أقدام الأمهات ، عندما عدت إلى البيت في العشية وجدت أمي جالسة تدعو ، ورجلاها ممدودتان ، فارتميت عليهما وشرعت أفتش عن الجنة التي قال لنا الأستاذ إبراهيم بأنها موجودة هناك . أمي ضحكت طويلا عندما علمت أني أبحث عن الجنة تحت قدميها ، وشرحت لي أن الجنة لا توجد تحت أقدام أحد ، ولكنها توجد في مكان آخر عند الله ، وعندما قلت لها بأننا قرأنا ذلك في كتاب التربية الإسلامية ، قالت لي بأن المقصود بذلك الحديث الشريف هو أن الجنة قريبة جدا لمن يهتم بأمه ويحبها ، ويحرص على إرضائها .

وسمعت صوتا عنيفا في دواخلي يقول بأني اقترفت معصية عظيمة في حق أمي عندما طلبت مني العودة إلى الإعدادية فرفضت تلبية طلبها ، وانتصبت علامات استفهام ضخمة داخل مخيلتي الصغيرة . أبي سبق له أن أخبرني ذات يوم أن الأبناء الذين يرفضون تلبية طلبات آبائهم وأمهاتهم يدخلهم الله إلى جهنم يوم القيامة ، فهل سأدخل إلى جهنم أنا أيضا بعدما عصيت أمي ؟ وهل سترضى أمي أن تراني أحترق وسط نيران الجحيم ؟ ولكي أتخلص من كل هذه الأسئلة الحارقة سألتها بصوت خفيض :

- هل سامحتني يا أمي أم لا ؟

- عن أي ذنب سأسامحك ؟

- لقد عصيتك عندما رفضت العودة إلى الإعدادية .

ودون أن تجيب بكلمة واحدة أخذتني في حضنها وضمتني بحرارة ، وكان ذلك كافيا لأعرف أن أمي الحنونة قد سامحتني عن كل ما اقترفته في حقها .

مرت الأيام الثلاثة التي قضيناها في القرية عند أمي وشقيقي بسرعة هائلة ، جئنا عشية يوم الأربعاء ، ونحن الآن في يوم السبت ، أبي أخبرني أننا سنستيقظ غدا قبل طلوع الفجر لنعود إلى مسجده البعيد .

يا لها من لحظات عصيبة تجتاحني مرة أخرى ، لقد ألفت أمي بعدما ذاب الجليد الذي خيم على علاقتنا بعد انقطاعي عن الدراسة ، وسامحتني على كل شيء .

الأيام الثلاثة التي قضيناها هنا مرت بسرعة البرق ، ولم تسعفني كي أشبع من حنان أمي ، ما زلت أرغب في البقاء بجانبها ، ما زلت أرغب في قضاء مزيد من اللحظات الهادئة في حضنها الدافئ ، أريد البقاء أيضا بجانب شقيقي الذي لا يمل من اللعب .

تبا للموت ، لأنه أخذ عمي الحاج محمد ، الذي كان إماما في مسجد القرية ، منذ أن رحل ظل مكانه شاغرا ، ولم يعثر رجال القرية بعد على فقيه مناسب يقوم مقامه ، وكأن الفقهاء قد انقرضوا من الدنيا ، لو كان هناك فقيه في مسجد القرية لطلبت من أبي أن يتركني عند أمي وأتابع حفظ القرآن الكريم هنا ، تبا لك أيها الموت !

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة الواحدة والخمسون )- تبا لك أيها الموت! -”

  1. دمت متألق أخى محمد الراجي ..

    كل عام وأنت بخير …

  2. عزيزي الراجي
    لقد قلتها بشفتيك و نقلها قلمك “تبا لك أيها الموت !”
    فالموت حين تأتي ،، تأتي خاوية الوفاض و حين ترحل تأخذ أعز الناس …
    فما أصعبك يا أعظم المصائب …
    مذكراتك حلوة كالعادة ،، ننتظر المزيد

    تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر