مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثانية والخمسون ) - الليل والنهار -

كتبهاmohamed ، في 29 سبتمبر 2007 الساعة: 09:55 ص

 

مضت الآن سنة كاملة وأنا أحفظ القرآن الكريم عند أبي ، لحد الساعة استطعت أن أحفظ ثلاثة عشر حزبا كاملا ، الحفظ بالنسبة لي ليس مسألة عسيرة ، أبي يقول لي دائما بأن عقلي يشبه عقل الكبار ،  في البداية كنت أكتب سطورا معدودات على اللوحة ، أكتبها بقلم القصب ذو السن العريضة ، الآن لم أعد أكتب سطورا قليلة فقط ، أصبحت أكتب ثمن حزب كامل كل صباح ، هذا حتم علي أن أغير القلم القصبي الغليظ بريشة خفيفة لها سن رقيقة ، وغيرت اللوحة الخشبية السابقة بلوحة أكبر حجما تستطيع استيعاب ثمن الحزب ، كل هذا ضاعف من سعادة أبي ، هو لا يبخل عني بكلمات المدح والإطراء ، ولا يتوانى عن الافتخار بي أمام رجال القرية الذين نصادفهم أثناء قيامنا بالجولة المسائية في الغابة المجاورة للقرية ، ويفتخر بي أيضا أمام معارفه عندما أصطحبه إلى السوق الأسبوعي للقرية ، كان ذلك يشعرني بالخجل وبالسعادة أيضا .

ذات يوم أخبرني أخبرني أبي أنه سمع في برنامج إذاعي أن الأطفال الذين يحفظون بشكل سريع لديهم أدمغة بحجم كبير، وغالبا ما تكون رؤوسهم كبيرة ، هذا الكلام جعلني أقضي أوقاتا طويلة وأنا أتأمل رأسي في المرآة الصغيرة التي علقها أبي على حائط الغرفة ، أنا لا أريد أن أكون صاحب رأس كبير ، لأن أصحاب الرؤوس الكبيرة ينظر الناس إليهم بنظرة ساخرة .

عندما أكتب أحرص دائما على تجنب السقوط في الأخطاء الإملائية ، لأن الطريقة التي يصحح لي بها أبي أخطائي لا تعجبني ، بل تستفزني كثيرا وتثير أعصابي ، كلما عثر على خطأ مهما كانت بساطته يجر سطرا من مكان الخطأ إلى أسفل اللوحة ، ويكتب الكلمة التي أخطأت فيها بطريقة صحيحة ، كان ذلك يستفزني حقا ، لأن منظر اللوحة يصير مشوها ، وعندما أقرؤها يتشتت تركيزي ، لكني لم أجرؤ يوما على إبلاغ ما أشعر به إلى أبي ، لقد كان بيننا احترام كبير يمنعني من الاحتجاج ، هو حقا ليس شخصا عنيفا حتى أخاف منه ، لكني لا أجرؤ على خرق اتفاق الاحترام الذي يجمع بيننا .

عندما نعود من القرية بعد زيارة أمي وشقيقي ، أمكث ثلاثة أيام أو أكثر وأنا غارق في الحزن ، اللحظة الحزينة التي نتوادع فيها تحت ضوء القمر والنجوم ليست سهلة أبدا ، عندما تستقبلنا أمي رفقة رفقة  شقيقي الصغير يوم الأربعاء الثالث من كل شهر تغمرني فرحة عارمة وسرور يستحيل وصفه ، وعندما تودعنا فجر يوم الأحد ، يغمرني حزن كبير وتجثم الكآبة الثقيلة على قلبي .

أبي أخبرني غير ما مرة أن الدنيا هكذا هي دائما ، حزن وسعادة ودموع وفرح ، عندما يلتقي الأحبة ترفرف السعادة  بأجنحتها البيضاء الناعمة على القلوب ، وعندما يفترقون تحل محلها الدموع الحارقة والأحزان الكئيبة ، لولا ذلك لما كان للحياة أي معنى ، لولا الحزن لما عرف الإنسان قيمة السعادة ، ولولا الدمعة الحارقة التي تنساب بمهل على الخدود الحمراء لما كان للبسمة الساحرة النابعة من أعماق القلب أي جدوى .

لا بد أن يكون لكل شيء نقيض، حتى الشمس تغرب تاركة مكانها لظلمة الليل القاتمة، ترى كيف كانت الدنيا ستكون لو لم يكن الليل والنهار ؟ هكذا يسألني أبي، ودون أن ينتظر مني أي جواب يردد بصوت خاشع:

" سبحان الله العظيم "

عندما تمر غيمة الحزن الثقيلة التي تخيم على قلبي من وقع الفراق مع أمي وشقيقي ، أستعيذ الحيوية والنشاط اللذان تميزت بهما منذ جئت إلى هنا .

أستيقظ باكرا من تلقاء نفسي ، وبعد الوضوء والصلاة التي أؤديها بسرعة فائقة بسبب خوفي من النعش الخشبي الرهيب الذي يستلقي في الركن الأيسر لقاعة الصلاة ، أقوم بمراجعة اللوحة قبل أن أستظهرها أمام أبي ، أجمل اللحظات التي أبدأ بها يومي هي تلك التي يمرر فيه أبي يده الملساء على رأسي بعد أن أنتهي من الاستظهار مرددا بصوت خفيض : "بارك الله فيك يا بني "

 لا أستطيع أن أصف ذلك الشعور الذي يعتريني وأنا أحس بيد أبي تزحف بمهل على شعري ، أحيانا تكون لمسة حنونة واحدة أهم من ألف كلمة ، وتستطيع إيصال ما تعجز كل الكلمات الموجودة في القاموس اللغوي على إيصاله .

بعد استظهار لوحتي أمام أبي ، أقوم بغسلها في الحوض الصغير الموجود في الركن الأيمن لسطح المسجد ، ثم أبلطها بالصلصال الأبيض الناعم ، وأدعها تجف على مهل تحت أشعة الشمس القادمة من قمة الجبل المقابل للمسجد ، في أثناء ذلك أكون قد تناولت وجبة الفطور ، ثم أشرع في ملأ لوحتي بالآيات القرآنية الكريمة وأنا جالس إلى جانب أبي ، هو يفتي علي وأنا أكتب …

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثانية والخمسون ) - الليل والنهار -”

  1. الابن المحترم محمد: فكرة جميلة جداً وموفقة، وإني لأغبطك أنك تستطيع سرد ذكرياتك بهذه البساطة وهذه الطلاقة، إضافة إلى سلامة اللغة التي نفتقدها عند الأغلبية، عدا الذين يؤثرون العامية.. سأعود للحلقات السابقة قريباً إن شاء الله وبخاصة أن ذكرياتك تصف حياة مختلفة كثيراً عن حياة أطفال المشرق أو على الأقل أبناء المدن منهم.. وأود أن أؤكد لك أن هذه االذكريات، حتى لو لم تكن واقعية حرفياً، إلا أنها تحقق أهدافاً كثيرة جداً.. إذا كنت حقاً طفلاً خجولاً فأرجو منك التعليق على إدراجي( ابنتي وضرب المعلمات) المتعلقة بطفلة حساسة ومطيعة..لتقديم النصيحة.. وفقك الله ورعاك.

  2. ما شاء الله عليك ، كلامك جميل ، و شخصية رائعة و نادرة و لكنها مطلوبه

  3. تحية مودة وتقدير أخي محمد , جميل هو سردك وجميل هي بساطة تعبيرك,

    لي ملاحظة عند قراءة إحدى أجزاء سيرتك وهو العمر الذي تحققت منه أن الكبار هم الآخرون بكذبون, عندما تأكدت بأن والدك لا يتأثر بملامسة أصابعك له ذاك الصباح, هذه الحقيقة التي توصلت إليها عن الكبار ألم تكن متأخرة جدا في حياتك أخي محمد, هناك أشياء كثيرة يعدنا بها آبائنا عندما كنا صغارا وفي سن أصغر من ثلاثة عشر سنة ولا يحققونها كم واعدونا بأنهم سيشترون لنا دراجة هوائية إن نجحنا أو أو أو ولكن لا يحققون ذلك لقصر يدهم وقلة حيلتهم, لا تنسى صديقي الغالي أنني أقرأ باهتمام كبير ذكرياتك أتمنى لك مزيدا من الإبداع والتألق ودمت بخير

    صديقك عبداللطيف.

  4. أختي فاطمة ، شكرا كثيرا على الكلمات الطيبة التي قلتها في حق هذه المذكرات البسيطة مثل صاحبها تماما ..

    لقد لبيت الدعوة الكريمة التي وجهتها إلي ، كتبت تعليقا حول الموضوع الذي نشرته على مدونتك ..

    مع تحياتي الصادقة…ورمضان كريم

  5. مرحبا بك أختي وفاء …وشكرا جزيلا على الكلمات الطيبة ..

    مع خالص تحياتي ..ورمضان كريم

  6. صديقي العزيز عبد اللطيف بوعبيد : أهلا وسهلا ومرحبا بك مرة أخرى …

    في الحقيقة أنا سعيد جدا بهذا الاهتمام الكبير الذي توليه لهذه المذكرات البسيطة ، ومرة أخرى سوف أقول لك باني لا أستطيع أن أجد الكلمات المناسبة كي أعبر لك بها عن شكري الكبير …

    ما أعجبني كثيرا واسعدني هو انك تهتم بأدق التفاصيل في هذه المذكرات أو الذكريات ، فعلا كل الأطفال يتلقون وعودا كثيرة في صغرهم من طرف الكبار ، وهذه الوعود يتبخر كثير منها في الهواء بطبيعة الحال …وهنا لست أدري بماذا سأرد عليك ، لا أعرف هل كنت غبيا جدا في طفولتي لدرجة أني لم أكتشف كذب الكبار الا بعد بلوغ سن الثالثة عشر ، أم أن الطيبوبة الزائدة عن الحد التي يتميز بها أطفال القرى هي السبب ..

    اسمح يا سيد عبد اللطيف ، ليس لدي جواب مقنع عن هذا السؤال ..

    مع تحياتي الصادقة …ورمضان مبارك كريم ….



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر