مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثالثة والخمسون ) -ضربة خاطفة -
كتبهاmohamed ، في 30 سبتمبر 2007 الساعة: 11:45 ص

في المرة الأخيرة التي زرنا فيها أمي وشقيقي في قريتنا ، لاحظ الجميع أن وزني قد ازداد بشكل ملحوظ ، قالت لي أمي مازحة :
- يبدو أنكم تأكلون هناك في المسجد أطباقا دسمة ، بينما أكتفي أنا وشقيقك بالعدس والخضرة المطبوخة بدون لحم .
ثم أضافت بعد أن مررت يدها اليمنى على خدي :
- بارك الله لك في صحتك ، كل جيدا ، ولا تدع فراغا في معدتك إلا وملأته .
أكثر ما راقني خلال كل هذه لمدة التي قضيتها عند أبي هو الأكل ، في الصباح نفطر عادة بزيت الأركان والسمن والعسل والخبز الساخن والشاي ، أبي يتقن كثيرا إعداد الشاي . وفي الغذاء تكون الوجبة الرسمية التي يلتزم بها الجميع هي الطجين المليء باللحم ، وفي العشاء لا أحد يخترق قانون وجبة الكسكس المزين بأطراف محترمة من اللحم .
كنت أجد لذة كبيرة في التهام الأطباق التي يقدمها سكان القرية لأبي ، لذلك ازداد وزني ، وصرت الآن شبيها بالبطة ، كما كان يناديني " بقشيش " عندما كنت تلميذا في مدرسة قريتنا الصغيرة .
علاقتي بأبي طيلة هذه المدة التي قضيتها عنده ظلت جميلة للغاية ، بعدما عاد إليها الدفيء الذي هجرها لوقت قصير عندما قررت الانقطاع عن الدراسة ، لكن كل شيء تغير صباح هذا اليوم ، عندما فقد أبي أعصابه وهوى بضربة خاطفة على ظهري ، الضربة لم تكن قوية ، لكنها زعزعت كياني من جديد ، كنت أعتقد أن أبي لن يضيف ضربة أخرى إلى تلك التي رسمها على خدي يوم هربت من الإعدادية ، لكن اعتقادي كان خاطئا ، لقد ضربني أبي من جديد وهذه هي الحقيقة ، وبدأت علامات الاستفهام الضخمة تحوم حول رأسي من جديد .
وتساءلت مع نفسي إن كان أبي يحبني حقا أم لا ، لو كان يحبني لما ضربني ، أريد أن أساله إن كان يحبني مثلما سألت أمي لكني لا أستطيع ، الرجال لا يعرفون شيئا اسمه الحب ، وإذا سألت أبي إن كان يحبني أم لا ، فانه سيسخر مني لا محالة ، لذلك لن أسأله تفاديا لأي سخرية قد تضاعف من آلامي .
أعرف أن السبب الذي جعله يهوي علي بتلك الضربة الخاطفة هو أني رفضت اصطحابه إلى المسجد الكبير للقرية ، حيث يقام " المعروف " الذي ينظمه سكان القرية كل سنة .
لم أكن أرغب في الذهاب إلى ذلك " المعروف " لأن خجلي ازداد كثيرا في هذه المدة التي قضيتها عند أبي ، لدرجة أنني صرت انطوائيا أكثر مما كنت من قبل ، دائما أظل قابعا داخل المسجد مثل سجين صغير داخل زنزانة واسعة ، وإذا حدث وخرجت فلا أخرج إلا بصحبة أبي .
صباح كل أربعاء يذهب أبي إلى السوق الأسبوعي الذي يقام في " الفيلاج " ، ويتركني وحيدا في المسجد ، كثيرا ما شعرت برغبة شديدة في التبول ، ولأن المسجد لا يتوفر على مرحاض ، فاني أضطر لحبس البول في مثانتي الضيقة حتى يعود أبي من السوق ، لم أكن أجرؤ على الخروج وحيدا ، لقد انطويت على نفسي بشكل مهول ، وأصبحت طفلا خجولا إلى أقصى الحدود ، لذلك رفضت الذهاب إلى ذلك " المعروف " ، لكن أبي أرغمني في النهاية على الذهاب معه بعدما هددني بأنه سيضيف إلي مزيدا من الضربات الخاطفة إذا رفضت الامتثال لأمره .
خرجنا من المسجد وأنا أنتحب مثل العروس ، لا أعرف لماذا قدر لي أن أذرف كل هذه الدموع وأنا ما أزال طفلا صغيرا ، لقد ذرفت دموعا حارة عندما مات " دادا حسن " قبل ثلاث سنوات ، وبكيت كثيرا بسبب الاهانة التي أذاقني إياها الحارس العام في الإعدادية قبل أن أهرب منها إلى الأبد .
أبي يمسكني من يدي وكأنه يخاف أن أهرب منه ، عندما وصلنا إلى المسجد الكبير الذي يقام فيه " المعروف " وجدناه غاصا بالناس ، فاجتاحتني موجة هوجاء من الخوف ، وكدت أفلت من قبضة أبي ، لكنه أحكم قبضة يده على يدي حتى أحسست بأن الدماء ستنقطع عنها ، لست أدري لماذا يفرض الرجال أوامرهم على الصغار بهذه القسوة .
فناء المسجد غاص عن آخره بالناس ، والضوضاء الصاخبة تنبعث من كل مكان .
عندما دخلنا استدارت رؤوس الأطفال نحوي وتركزت عيونهم علي ، شعرت بحنق شديد ، وارتفع النحيب الذي يتصاعد من صدري بشكل متقطع ، وتمنيت لو أن الأرض تنشق وتبتلعني ، لكنها لم تنشق .
كلما تصافح أحد الرجال مع أحد الرجال إلا وسأله عن سبب بكائي ، وكان أبي يرسم في كل مرة ابتسامة باهتة على وجهه ثم يقول :
- هذه هي نتيجة تربية النساء !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























سبتمبر 30th, 2007 at 30 سبتمبر 2007 12:25 م
جميل جدا ما تكتب اخي
دمت بالف خير
سبتمبر 30th, 2007 at 30 سبتمبر 2007 2:07 م
اهلا سي محمد أش دارناليك أخي محمد كاتكلم على الخبز السخون وزيت أركان وزايد مكاملها بهديك الكصعة ديال كسكسو وهذا رمضان هههههههههههههه والله حسيت بالجوع وأنا أتخيل كل تلك المأكولات ولازال يفصلنا على المغرب وقت كبير.
اسلوب سلس وتعبير سليم وكتابة متميزة لكن
لازلت عند اقتراحي لكي تعطي بعدا أكبر لهذه المذكرات عليك أن تخرج الطفل فيك ليتجول بين الناس ويتحدث عن العلاقات بينهم.
كيف يتعامل الناس مع أي جديد؟
كيف تتوزع السلطة بينهم؟
كيف يتم تقسيم الماء والصراعات التي تنتجها تلك القسمة وكيف يتم الاصلاح بينهم ومن يحقق ذلك؟
ما هو دور الزاوية في القرية؟
كيف يتعامل شباب القرية مع فئة الشيوخ خاصة بعد موجة البارابول والتطور التقني؟
الشباب والهجرة؟
كيف ينظر أهل القرية إلى الجنس وكيف كان ينظر الراجي الطفل إلى الجنس؟ذ
انطلق اخي محمد بذلك الطفل إلى كل أرجاء القرية ولا تترك أي شادة وفادة كما نقول حينها ستعطي بعدا أدبيا متميزا لمذكراتك….
لقد قلت لي في ما قبل أنك لا تستطيع لأنك كنت قد كتبت كل مذكراتك لكن أقول لك حاول أن تفكر في الأمر من جديد
مزيدا من التألق ومزيدا من الابداع صديقك عبد اللطيف
سبتمبر 30th, 2007 at 30 سبتمبر 2007 6:12 م
شكرا أخي محمد العبيسي على الزيارة وعلى الكلمات الطيبة أيضا ….
سبتمبر 30th, 2007 at 30 سبتمبر 2007 6:22 م
سيدي عبد اللطيف …
أنا في الحقيقة لا أعرف كيف سأعبر لك عن شكري الكبير جدا …وكل ما أستطيع أن أقوله هو أني أكون في قمة السعادة والفرحة عندما أقرأ تعليقاتك الحكيمة التي تكتبها على هذه المدونة البسيطة …
أنا أطلب منك المعذرة يا سيدي ، لأن ظروفي القاهرة تجعلني لا أستطيع مواصلة النبش في مذكراتي طفولتيي الخجولة …وهنا سوف أكون معك صريخا الى أقصى الحدود كي تعرف كل شيء ، أنا يا سيدي لا املك حتى ما يكفي من المال كي آتي الى نادي الآنترنت للابحار في يم الويب ، لذلك أتمسك بهذه المدونة بصعوبة شديدة ، لأني أصبحت الآن متيقنا من أن الكتابة رغم حبي الكبير لها الا أنها لن تستطيع حملي الى المستشفى عندما أمرض لا قدر الله ، ولن تستطيع أن تشتري لي الخبو ، ولن تسطيع أن تمنحني ولو دراهم قليلة لركوب الحافلة عندما أنوي السفر ، لذلك فقد أصبحت الآن بين خيارين صعبين للغاية ، أريد أن أترك هذه المدونة الى الأبد لكني لا أستطيع ، فقد جربت ذلك عدة مرات لكن الفشل يقف أمامي دوما ، أنما لدي التزامات مادية كثيرة تجاه عائلتي ، وظروفي لا تسمح لي بتبذيري نقودي القلية هنا ، لذلك أنا الآن أفكر في استغلال الكتابة في أشياء أخرى قد تعود علي بالنفع الامادي ، أنا آسف على قول هذا الكلام الانتهازي ن لأكن الظروف هي التي تحتم علي ذلك ، وهذا الكلام طبعا لا أريده أن يخرج الى العلانية لأني لا أحب كثيرا أن أفشي أسراري أمام العموم ، كان من الممكن أن أبعث اليك يا سيد عبد اللطيف بهذا الكلام عبر بريدك الخاص لكني لا أتوفر عليه ..
المهم أني الآن أفكر في الدخول الى عالم الكتابة السينمائية ، وحاليا أنا في حديث مع أحد الأصدقاء من مراكش ، الذي يملك خبرة في هذا الميدان ، سوف أحاول أن أكتب سيناريوهات الأفلام انشاء الله
سبتمبر 30th, 2007 at 30 سبتمبر 2007 8:54 م
لماذا نكتب ؟
الإجابة عن هذا السؤال أخي محمد, سؤال صعب جدا لأنه يتدخل فيها الذاتي والموضوعيربما قد نكتب لملإ ذلك الخواء الوجودي الذي نعيشه لتحقيق نوع من التوازن بيننا وبين الواقع أخي محمد أنا على إطلاع كبير بوضعيتك المادية وأعرف جديا ذلك لكن سؤالي هل نكتب لتحسين وضعيتنا المادية ؟
لا أظن أن الكتابة تحقق تحسن في المستوى المادي , جميل أن يكون الانسان واقعيا لكن معظم الكتاب العالمين أنفسهم مروا من لحظات عوز مادي
محمد شكري رحمه الله, جورج اورويل, الجاحظ العظيم نفسه يوما طلب من أمه تحضير الطعام وجائت له بالماعون وفيه كتب وسألها ماذلك وقالت له كل كتبك
العقاد كان يبيع كتبه لكي يقتات, حافظ إبراهيم كان متواضعا جدا, لا يتسع لي الوقت لذكر الكتاب الذين أعرفهم ولم يكن مستواهم المادي جيد ولكن تركوا ثروة عظيمة وهي كتبهم
إذا كنت تكتب لتحسين مستواك المادي أوصيك إذن أن تتوقف
ثق بي لديك ملكة للكتابة ممتازة حاول فقط أن تسقلها ولك مستقبلا كبيرا في الكتابة
المجال المادي أعرف أخي الإكراهات وأتمنى لك من كل قلبي أن تحقق كل ما تتمناه
bouabid2008@hotmail.fr هذا بريدي الاكتروني اعتز بصدقاتك
دمت مبدعا عبداللطيف
أكتوبر 2nd, 2007 at 2 أكتوبر 2007 9:36 ص
شكرا جزيلا صديقي عبد اللطيف …
كن على يقين يا سيدي أنني سوف أعمل بنصائحك الحكيمة ..
أنا شاكر لك من أعماق قلبي ….