مذكرات طذفل خجول ( لحلقة الستون )- فرحة النصر -
كتبهاmohamed ، في 10 أكتوبر 2007 الساعة: 13:24 م

ظل أبي صامتا لوقت قصير وهو يتفحصني بنظرات غاضبة، قبل أن ينفجر في وجهي قائلا:
- أنت هنا وأنا أبحث عنك في الخارج، أين كنت ؟
ودون أن ينتظر مني جوابا، أضاف بصوت مرعب:
- ألا تعرف أننا سنعود إلى المسجد ؟
ثم صمت برهة قبل أن يسترسل في كلامه المدوي قائلا:
- أعرف أنك هربت لتتفادى الذهاب معي ، لقد سبق لي أن قلت لك بأنك ستصير لا محالة إنسانا فاشلا ، وهاهي أعراض الفشل قد بدأت تظهر عليك ! لو كنت رجلا لما لجأت إلى الهروب ، الرجال لا يهربون أبدا ، الخائفون والفاشلون وحدهم من يهرب .
ثم سألني بلهجة لا تخلو من حدة وعنف :
- لماذا لم تعد ترغب في العودة معي إلى المسجد ؟ لقد طرحت عليك هذا السؤال أكثر من مرة ، ولم تعطني أي جواب لحد الآن ، وأنا أريد منك في هذه اللحظة أن تعطيني سببا مقنعا لرغبتك في البقاء هنا في القرية عند أمك ، إذا كانت لديك مشكلة ما ، فأخبرني عنها ولا تخبئ عني أي شيء ، فأنا هو والدك في نهاية المطاف ، ومن حقي أن أعرف كل شيء .
كان الخوف قد أخذ مني مأخذا عظيما ، وبدأت أصابعي ترتعد من تلقاء نفسها ، واجتاحتني رغبة شديدة في الهروب والعودة للاختباء بين أغصان الشجرة الضخمة على ضفة الوادي ، لكن قوة خارقة منعتني من ذلك ، وخيل إلي أن الأرض قد تحولت إلى مغناطيس ضخم يشدني إليه شدا ، وكنت أتساءل في قرارة نفسي إن كان أبي سيتجرأ على ضربي مرة أخرى ، أم أن الأمور ستمر بسلام .
حينها تدخلت أمي للدفاع عني طالبة من أبي أن يكف عن إهانتي ، وشرحت له مرة أخرى بهدوئها المعتاد أن سبب عدم رغبتي في الذهاب معه إلى المسجد يعود إلى رغبتي في البقاء بجانبها ، ثم سألها قائلا :
- أيمكنني أن أعرف لماذا ؟
- هذا شيء طبيعي .
- لا ليس الأمر كذلك .
- ألا ترى أنه ما يزال صغيرا ، وجميع الأطفال في مثل سنه يرغبون في العيش بجانب أمهاتهم ؟.
- لكن عمره الآن يقترب من أربعة عشر عاما ، وكل العقلاء يحسبون الواصلين إلى هذا العمر في عداد الرجال وليس الأطفال كما تعتقدين أنت وإياه !
ثم أضاف بعد برهة من الصمت :
- أنظري إليه ، لقد صار الآن كبيرا ، ولا تنقصه سوى اللحية كي يصير رجلا مكتمل الأوصاف ! وأنت ما زلت تحسبينه في عداد الأطفال ، وإذا أردنا أن نحسب الأشياء على هذا النحو ، فأنا أيضا يمكنني أن أعتبر نفسي طفلا صغيرا ! ثم رمقني بنظرة مشفقة قائلا بصوت تملأه الحسرة :
- لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وطلب من أمي أن تحضر له ماء الوضوء لصلاة المغرب ، وقبل أن يغادر الغرفة أطلق تنهيدة عميقة شعرت بها تخترق قلبي مثل جمرة حمراء حارقة ، فأجهشت بالبكاء وارتميت في حضن أمي .
في المساء ، ونحن جالسون في الغرفة بعد تناول وجبة العشاء ، بدا أبي متفهما لقراري ، لا أدري ما الذي جعله يتغير بهذه السرعة المذهلة ، لقد كان قاسيا معي قبيل ساعات فقط ، وها هو الآن صار حنونا ومتفهما ويتحدث معي بلغة رقيقة . ربما تذكر طفولته البعيدة ، والحرمان العاطفي الذي عاشه حينما توفيت أمه ( جدتي ) ، وهذا ما تأكدت منه بعدما أعاد على مسامعي قصته مع جدتي التي توفيت وهو ما يزال في الخامسة عشر من عمره ، أعاد علي القصة التي سبق له أن حكاها لي عدة مرات ، من أولها إلى آخرها ، تحدث عن الدموع الحارقة التي ذرفها وهو يراها تنزل إلى القبر محمولة بين أيدي رجال القرية ، وتحدث عن الحزن العميق الذي غرق فيه وهو يحس بوحدة قاتلة بعد وفاتها ، وكيف أنه غادر القرية بعد ذلك متوجها إلى مسجد بعيد في قبيلة أخرى لعله ينسى ذكرى وفاتها ، وعندما انتهى من سرد القصة التي حكاها لي غير ما مرة ، أخبرني أنه يوافق على بقائي في القرية عند أمي وشقيقي ، شريطة أن أستمر في حفظ القرآن الكريم عند ابن عمي إبراهيم في مسجد القرية . قال لي :
- سوف أسمح لك بالبقاء هنا في القرية عند أمك ، لكن بشرط أن تتابع حفظ القرآن الكريم بنفس الاجتهاد الذي أبديته عندي في المسجد ، إذا وافقت على هذا الشرط فأهلا وسهلا ، وإذا لم توافق فلن أسمح لك بالجلوس في البيت من دون فائدة ، يجب علينا أن نتفق من الآن . ثم رمقني بنظرة متسائلة قائلا :
- هل أنت موافق على هذا الشرط ؟
- نعم .
قلتها بصوت خفيض مطأطأ رأسي ، وتمنيت لو أنني أستطيع إطلاق صرخة الفرح التي تتصاعد في أعماقي .
أخيرا تحقق حلمي الكبير ، أخيرا سأبقى بجانب أمي ، واجتاحتني فرحة عارمة لا توصف ، ثم قمت من مكاني ورسمت قبلة حارة على جبين أبي ، ورسمت أخرى على ظهر كفه الأيمن ، ثم عدت إلى مجلسي منتشيا بفرحة النصر الذي تحقق أخيرا بعد طول معاناة ذرفت خلالها كثيرا من الدموع الحارقة ، ونلت فيها كثيرا من الكلمات القاسية التي تفوه بها أبي في حقي …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 10th, 2007 at 10 أكتوبر 2007 9:42 م
ايوا سيدي على سلامتك وهنية عليك
أكتوبر 11th, 2007 at 11 أكتوبر 2007 10:52 ص
الأخ محمد ونحن نودع شهر رمضان المبارك ندعو الله سبحانه وتعالى لنا ولكم أن يتقبل منا صالح الأعمال وأن يجعلنا من عتقاء هذا الشهر من النار.
ونحن نستقبل يوما من أيام الله عيد الفطر المبارك ندعوه سبحانه أن يحل علينا بالأمن والإيمان والسلم والسلامة وأن يعيده الله علينا وأمتنا تستعيد مجدها التليد ناهضة لإصلاح أمرها آآآآآمين.
فعيد مبارك وكل عام وأنت بخير.