مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثانية والستون ) - الدخان المزعج -

كتبهاmohamed ، في 14 أكتوبر 2007 الساعة: 09:31 ص

الآن بدأت أتأقلم مع هذا النظام القاسي الذي فرضه علي شيخي إبراهيم ، الاستيقاظ مع أدان صلاة الفجر لم يعد يشكل لي كابوسا مزعجا كما في السابق ، لقد بدأت آلف هذا النظام الجديد ، لدرجة أني لم أعد أستعين بالمنبه الصغير الذي أضعه بجانب وسادتي قبل أن أستسلم للنوم ، ورغم أني أحرص دوما على تركيز عقارب جرسه على موعد أدان الفجر تفاديا لأي غفلة نوم غير متوقعة ، إلا أني أسبقه دائما وأستيقظ قبل أن يرن جرسه المزعج ، لقد صرت أستيقظ من تلقاء نفسي بعدما أصبحت متعودا على ذلك ، وكلما استيقظت أظل قابعا تحت الفراش إلى أن أسمع صوت شيخي إبراهيم وهو يرفع الأذان بصوته الرخيم على سطح مسجد القرية ، ثم أخرج من تحت اللحاف الدافئ بصعوبة كما يخرج الكتكوت الصغير من تحت جناحي أمه في الصباحات الباردة.

كلما انتهيت من الوضوء في ذلك الوقت المبكر من الصباح ، أقف للحظات وأنا أنظر إلى الشمعة المثبتة على حائط الميضأة وهي تحترق على مهل ، إنها تحترق من أجل أن تضيء لي ، يا لها من مسكينة ، الشمعة ناكرة لذاتها ، لذلك تحرق نفسها من أجل أن تضيء للآخرين .

لا أعرف لماذا أشعر بالندم وأنا أرى شمعها المنصهر وهو يتدلى من أمام شعلتها إلى أن يجف ويستقر على الحائط راسما أشكالا هندسية بلا معنى .

كلما أطلت النظر في ذلك الشمع الذائب وهو ينزلق من عين الشمعة المسكينة إلا وتذكرت الدموع الحارقة التي ذرفتها أمي عندما قلت لها بأنني لن أعود إلى الإعدادية مهما كان الثمن ، لا أعرف لماذا تبكي أمي بهذا الشكل ، لطالما رأيت الدموع الشفافة وهي تنزلق من عينيها كلما حدث شيء يعكر صفو حياتها ، أمي امرأة حساسة للغاية ، وعيناها لا تكفان عن ذرف الدموع لأتفه الأسباب .

لكن السؤال الذي لم أعثر له بعد على جواب هو : لماذا النساء وحدهن يبكين ، بينما الرجال لا يبكون أبدا ؟ لم يسبق لي أن رأيت أبي يبكي في يوم من الأيام ، بينما أمي تبكي بدون تردد ، أمي تبكي عندما تقف بجانب المقبرة وهي تتأمل قبر شقيقي الذي يرقد هناك ، بينما لم يحدث أن رأيت أبي يبكي عندما أصطحبه إلى المقبرة ، رغم أن جدي الذي هو والده يرقد هناك أيضا، وبجانبه ترقد جدتي التي هي أمه ، ومع ذلك لا يبكي عندما يتأمل في قبريهما .

عندما أنتهي من التأمل في الشمعة أقرب فمي إلى شعلتها ذات اللون الأصفر الباهت التي تتوسطها جمرة حمراء صغيرة ، وأنفخ فيها بشكل متواصل إلى أن تنطفئ .

أسوأ شيء في الشمعة هو ذلك الخيط من الدخان ذو اللون الرمادي الذي ترسله في السماء عندما تنطفئ ، رائحته الغريبة تخنق أنفاسي .

أمي لا تطفئ الشمعة بفمها مثلما أفعل أنا ، هي لديها طريقة خاصة تجعل الشمعة تنطفئ من دون أن ترسل ذلك الدخان الرمادي المزعج ، أمي تضع طرف إبهامها وطرف سبابتها على طرف لسانها حتى يبتلا ، ثم تقبض بهما على شعلة الشمعة فتنطفئ بسلام .

جربت أن أفعل مثل أمي ، وكانت النتيجة أن انتفخ بالون صغير مليء بالماء على طرف سبابتي بعدما التصقت بها جمرة شعلة الشمعة ، أمي حاولت أن تعلمني كيف أطفئ الشمعة بنفس طريقتها ، لكني خفت أن تحترق سبابتي مرة أخرى ، لذلك عوض أن أتعلم كيف أضع طرف سبابتي وإبهامي على شعلة الشمعة ، تعلمت كيف أضعهما على أنفي كلما أطفأتها حتى لا أستنشق رائحة دخانها الخانق .

أمي لديها نفس طويل في الصبر ، عندما تعلمني أن أفعل شيئا وأعجز عن فعله ، لا تغضب مني ، بل تلح على الاستمرار في تعليمي إلى أن يتحقق مبتغاها ، لقد علمتني كيف أخيط ملابسي عندما تتمزق  وأنا ما زلت صغيرا ، وكنت أخيط بطريقة جميلة تجعل الخيط لا يظهر على الثوب ، وعلمتني الاعتماد على نفسي في الاستحمام ، وعلمتني أشياء أخرى لا تعد ولا تحصى ، حتى أني صرت أعرف كيف أقوم بطهي الطعام ، وغالبا ما أقوم بإعداد عشاء يوم السوق الأسبوعي ، أفعل ذلك فقط يوم السوق الأسبوعي حتى أحظى بكلمات التنويه التي لا تبخل أمي عن إلقائها على مسامعي ، لأن الطجين الذي أعده يكون بالفعل لذيذا ، ليس بسبب أني أتقن الطبخ ، بل بفعل أجزاء اللحم القليلة التي تختبئ تحت قطع الجزر والبطاطس ، بينما في الأيام الأخرى أتفادى إعداد أي وجبة ، لأن الخضر وحدها لا تعطي أي مذاق ، وبالتالي أحرم من كلمات المدح التي ترشها علي أمي .

كل الشمعات الموزعة على أرجاء بيتنا كانت أمي تثبتها على الحائط ، مثلما هو الحال في الميضأة ، أو على حواف النوافذ الإسمنتية ، الشمعة الوحيدة المثبتة على الشمعدان هي تلك الموجودة بجانب وسادة نومي على السرير ، أبي اشترى شمعدانا وطلب مني أن أثبت عليه الشمعة حتى لا تحدث كارثة في غرفة النوم .

ذات يوم ، وقبل أن يشتري أبي ذلك الشمعدان النحاسي الأصفر ، نسيت الشمعة مشتعلة بعدما غلبني النوم وأنا أقرأ المصحف الكريم ، كانت الشمعة موضوعة فوق علبة أعواد الثقاب ، عندما استيقظت أمي كما هي عادتها دائما حيث تقوم للاطمئنان علي أنا وشقيقي ، لاحظت أني نائم والشمعة ما زالت مشتعلة وقد اقتربت  شعلتها من الوصول إلى علبة أعواد الثقاب ، وكان ذلك سببا في دفع أبي لشراء شمعدان نحاسي طويل ، وأوصاني ألا أضع الشمعة إلا عليه ، ومع ذلك لم تعد أمي تنام حتى تتأكد من أني أطفأت الشمعة .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثانية والستون ) - الدخان المزعج -”

  1. أخي الراجي إشتقت إلى مدونتك فمررت لأبارك لك العيد و أقول لك دمت هنا إلى الأبد

    عيد سعيد و عمر مديد

  2. كل عيد و أنت و أهلك بألف خير.

    تحياتي

  3. الأخ حسن غريب شكرا جزيلا على هذا المرور الطيب …بدوري أقول لك عيدا مباركا سعيدا ، وكل عام وأنت بالف خير وسلام

  4. مرحبا بك مرة أخرى أختي نونو …

    بدوري أتمنى أن تكون كل الأعياد مناسبات للفرحة التي لا تنتهي عليك وعلى سائر أفراد عائلتك الكريمة ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر