مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثالثة والستون ) - أنانية الكبار -
كتبهاmohamed ، في 15 أكتوبر 2007 الساعة: 22:18 م

أصبحت لدي علاقة صداقة خاصة مع كل الشمعات المنتشرة في كل أرجاء بيتنا ، تلك الشمعة المثبتة على حائط الميضأة حيث أتوضأ والتي لا تجددها أمي إلا بعد مرور وقت طويل بسبب أنها لا تشتعل إلا لمدة قصيرة كل يوم ، هي أول من يستقبلني في الصباحات الباكرة ، لون نورها يتحول إلى أصفر غامق باهت ، بسبب ذلك الضباب الكثيف الذي يغطي عيوني من فرط ثقل بقايا النوم التي تجثم على جفوني ولا تفارقها إلا بعد أن تبدأ أشعة الشمس في البزوغ ، شمعها الذائب الذي ينزلق على مهل قرب شعلتها يشعرني بالوحدة الكئيبة والحزن العميق ، أنا ما زلت صغيرا ، فلماذا قدرت علي الأقدار أن أعيش وسط كل هذا الحزن الرهيب ، ليس هناك طفل واحد في القرية برمتها يستيقظ في مثل هذا الوقت المبكر الذي أستيقظ فيه أنا ، بل إن الرجال أيضا لا يستيقظون في مثل هذا الوقت ، ابن عمي إبراهيم وحده من يستيقظ كي يؤدن لصلاة الفجر ، ولولا الخوف من الله لما استيقظ هو أيضا ، أمي أيضا تستيقظ قبل آذان الفجر ، لكنها سرعان ما تعود إلى إكمال ما تبقى من نومها بعد أن تعد لي ماء الوضوء والفطور ، ابن عمي إبراهيم الذي هو شيخي بدوره يعود إلى إتمام نومه وهو منكمش تحت سلهامه الأسود الدفيء ، في الركن الأيمن لغرفته الواسعة داخل المسجد ، أما أنا فلا حق لي في إكمال نومي ، نهاري يبدأ من طلوع الفجر إلى أن تسكن القرية إلى موتها المؤقت بعد غروب الشمس ، وهكذا تتوالى الأيام وتتوالى معها لحظات الحزن إلى ما لا نهاية ، ولولا يوم الخميس الذي يعتبر يوم عطلة إضافة إلى النصف الأول من يوم الجمعة ، وهما اليومان العزيزان على قلبي حيث أشبع فيهما النوم ، لصرت الآن مثل هيكل عظمي بسبب عدم النوم لوقت كاف ، لقد درسنا في مادة النشاط العلمي أن النوم ضروري لنمو الجسم ، لكن لا أبي ، ولا شيخي إبراهيم يؤمن بمثل هذه الأخبار التي يعتبرونها مجرد أوهام المعلمين ليس إلا .
الشمعة المنتصبة على حافة المائدة في غرفة الطعام لها أيضا مكانتها الخاصة في حياتي ، إنها الشاهدة الوحيدة على أنني أنا الطفل الوحيد الذي يتناول فطوره مباشرة بعد صلاة الفجر ، على إيقاع صياح الديكة ، والظلام الدامس ما يزال يغطي القرية بستائره القاتمة ، والنجوم بدورها ما تزال ترسل أشعتها الباهتة من سماء الله البعيدة ، ليس هناك طفل واحد من بين كل أطفال العالم يتناول فطوره في مثل هذا الوقت إلا أنا ، ابن عمي إبراهيم أو " شيخي الجديد " ، كان قاسيا معي عندما طلب من الحضور إلى المسجد بعد صلاة الفجر مباشرة ، لقد فكرت مرات كثيرة في أن أقول له بأني أتعذب كثيرا عندما أستيقظ في ذلك الوقت المبكر ، لكني لا أستطيع ، لا أعرف لماذا لا يسمح الكبار للأطفال الصغار بالتعبير عن مشاكلهم ومعاناتهم ، لقد درسنا في المدرسة أن الأطفال أيضا لهم حقوق يجب مراعاتها ، ويجب الاستماع إلى مشاكلهم بأذن صاغية ، وحتى الأستاذ إبراهيم قال لنا وهو يشرح أحد دروس التربية الإسلامية في السنة الثالثة أن الوالدين ليسوا وحدهم من له الحق على الأبناء ، قال لنا بأن الأبناء أيضا لهم حقوق كثيرة على الوالدين ، وقال لنا بأن رسول الله كان يحب لأطفال الصغار ويتعامل معهم باحترام شديد كذلك الذي يتعامل به مع الكبار . لكن لا أحد يريد أن يفهم هذا ، ولا أحد يريد أن يتشبه برسول الله في طريقة تعامله مع الأطفال الصغار .
والشمعة المثبتة على الشمعدان النحاسي الذي يقف شامخا قرب وسادتي على السرير ، تربطني بها علاقة حميمية وصداقة صادقة ، عندما تطفئ أمي قنينة الغاز التي لا تشعلها إلا وقت تناول وجبة العشاء ، وتأوي إلى فراش النوم بجانب شقيقي الصغير ، أشعل الشمعة المثبتة على قمة الشمعدان ، ثم أحمل المصحف الكريم وأشرع في حفظ الجزء الذي سأكتبه على اللوحة الخشبية في المسجد صباح اليوم الموالي ، إلى أن يغلبني النوم ثم أطفئها ، واضعا طرف سبابتي وطرف إبهامي على أنفي تجنبا لاستنشاق رائحة دخانها القاهر ، ثم أرقب تلك الجمرة الحمراء الصغيرة التي تظل عالقة بخيطها وهي تتقلص شيئا فشيئا ، إلى أن تختفي وسط ظلام الغرفة الدامس ، ثم أختفي بدوري تحت اللحاف ، وأغرق في نوم عميق لا يدوم إلا لساعات قصيرة جدا ، في انتظار بدء يوم جديد .
كنت دائما أتساءل إن كانت الشمعة تحس بحر النار التي تحترق بها أم لا ؟ علاقة الصداقة الصادقة التي تربطني بالشمعات اللاتي يتقاسمن معي لحظات الحزن التي أعيشها لوحدي جعلتني أشفق عليهن ، لذلك خطر هذا السؤال الغريب على مخيلتي ، لكني مع الأسف لم أجد من يجيبني ، وظل هذا السؤال منتصبا في مخيلتي الصغير ة ، إلى أن سألت أبي ذات يوم ، عندما سألته نظر إلي بطرف عينه ثم ندت من بين شفتيه ابتسامة عريضة مليئة بالسخرية المرة ، التي ذكرتني بتلك السخرية الحارقة التي تعرضت لها من طرف ابن عمي حسن المرحوم ، عندما قلت له بأن سبب مرضه ليس هو " بوصفير" كما تقول له تلك العجوز التي تكويه بقطع الكبريت من دون رحمة ، وكان جوابه هو أيضا نظرة ساخرة متبوعة بجملة حارقة :
- يا لك من طبيب بارع .
ورغم أني كرهت منذ ذلك الحين أن أوجه أي نصيحة لأحد ، أو أن أسأل الكبار عن أشياء لا أفهمها ، إلا أنني لا أعرف ما الذي دفعني إلى أن أسأل أبي إن كانت الشمعة تحس بحر النار التي تحترق بها .
أبي تعجب من ذلك السؤال الغريب الذي طرحته عليه ، لذلك نظر إلي بتلك النظرة الساخرة ، وعندما لا حظ امتعاضي من تصرفه استعاد رزانته وأخبرني بأن الأشياء التي لا روح فيها لا تحس بالألم .
كم أكره أن يسخر مني الكبار عندما أطرح عليهم أسئلتي الصغيرة ، الكبار هم هكذا دائما ، عندما تخرج لهم اللحية وتصير أصواتهم رهيبة مثل هدير محرك الطائرة ينسون طفولتهم البعيدة ، وينسون أيضا أنهم كانوا لا يعرفون شيئا ، إنهم أنانيون .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























