مذكرات طفل خجول ( الحلقة الرابعة والستون ) - قصر الليل -
كتبهاmohamed ، في 17 أكتوبر 2007 الساعة: 15:02 م

في الصيف يصير الليل قصيرا جدا ، ويصير النوم مجرد غفوة قصيرة تخلف وراءها مزيدا من الرغبة في النوم . قصر الليل يصل إلى حده الأقصى في شهر غشت ، فصل الصيف هو أسوأ فصل بالنسبة لي من بين كل فصول السنة ، حيث ترتفع المدة التي أقضيها في المسجد بشكل مضاعف ، بينما تتقلص المدة الزمنية التي يقضيها رأسي على وسادة النوم إلى ساعات قليلة جدا ، أحسبها مجرد دقائق معدودات .
عندما كنت تلميذا في المدرسة درسنا في مادة النشاط العلمي أن معدل النوم الطبيعي للأطفال في مثل سني ، لا يجب أن ينزل عن ثمان ساعات كاملة في اليوم ، لكي تنمو أجسادهم وعقولهم بشكل سليم ، وأنالا أنام إلا أقل من سبع ساعات فقط ، إضافة إلى أني أستيقظ في وقت مبكر جدا ، مما يجعل عملية مغادرة فراش النوم أشبه باجتياز الصراط المستقيم ، الذي سبق لأبي أن قال لي عنه بأنه أصعب مرحلة يمكن أن يجتازها الإنسان يوم القيامة . ترى كيف سيكون رد فعل شيخي إبراهيم لو أخبرته بهذا الأمر ؟ ماذا سيقول لي لو أخبرته أني أحتاج إلى ثمان ساعات كاملة من النوم يوميا كي أكون بصحة جيدة ؟ لا شك أن أول سؤال سيطرحه علي بعد ذلك هو : " من قال لك هذا ؟ " وعندما أجيبه بأننا قرأناه في كتاب النشاط العلمي ، لابد أنه سيسخر مني هو أيضا مثلما سخر مني أبي عندما سألته إن كانت الشمعة تحس بالنار التي تحترق بها أم لا .الفقهاء لا يعرفون ما هو النشاط العلمي ، ولا يعرفون إن كانت هناك أصلا ساعات محددة للنوم ، هم يحسبون كل وقتهم بطلوع الشمس وغروبها ، ويستعينون بالقمر والنجوم لمعرفة شهور السنة وفصولها ، والعلم الوحيد الذي يعرفونه ويعترفون به هو علم الدين ، كان أبي يحكي لي دوما بأنه عندما أتم حفظ القرآن الكريم لسبع مرات متتالية ، انتقل إلى قبيلة " تنالت " البعيدة عن قبيلتنا ، لدراسة العلم عند العالم الكبير ، سيدي الحاج الحبيب ، الذي تحمل الإعدادية التي هربت منها في المدينة اسمه ، أبي تطوع في مرات كثيرة ليشرح لي ما هو العلم ، واستعرض أمامي كثيرا من المؤلفات السميكة ذات الأغلفة الجلدية المزركشة ، وقال لي بأن الإنسان لا يمكن أن يصير عالما إلا بعد أن يكون على اطلاع شامل بما تحتويه هذه المؤلفات . ذات يوم ، عندما كنت تلميذا في السنة الثالثة ابتدائي ، طلبت من أبي أن يساعدني على انجاز عمليات في الضرب والقسمة ، فأخذ دفترا قديما من خزانة كتبه ، وشرع في انجاز تلك العمليات الحسابية بطريقة غريبة ومضحكة للغاية ، عندما يريد مثلا أن يقوم بعملية حسابية في الضرب ، يستعين بأبيات شعرية مبهمة ، تساعده على انجازها بسرعة هائلة ، أبي حاول أن يعلمني كيف أنجز العمليات الحسابية على طريقته الغريبة ، إلا أنني لم أستطع ، لأنها كانت طريقة صعبة للغاية ، ورغم أن أبي كان ينجز العمليات الحسابية بسرعة ، إلا أنه مع ذلك لم يكن يعرف كيف يحسب مساحة الأشكال الهندسية المختلفة ، بل إنه لا يعرف حتى ما هي الأشكال الهندسية ، الشكل الهندسي الوحيد الذي يعرف مساحته الإجمالية هو تلك البقعة الأرضية التي اشتراها في مدينة " بيوكرى" والتي استطاع أن يحولها فيما بعد إلى منزل لم تكتمل أشغاله بعد ، أما المثلث والمستطيل والمكعب فلم يسبق له حتى أن سمع بها في يوم من الأيام ، ولا يفقه أيضا ولا كلمة واحدة في اللغة الفرنسية ، وعندما سألته لماذا لا يعرف الفقهاء الفرنسية رغم أنهم قضوا سنوات طويلة في دراسة العلم ، قال لي بأن الفرنسية وكل الأشياء الأخرى التي يقرأها الأطفال في المدرسة ليست علما ، وقال لي بأن العلم الحقيقي الذي ينفع في الدنيا والآخرة هو علم النحو والفقه وأصول الدين ، أما الأشياء الأخرى التي توجد في الكتب العصرية فلا تمت إلى العلم الحقيقي بأي صلة ! وفيما بعد عرفت أن العلم ينقسم إلى أنواع كثيرة ، وأن كل تلك المؤلفات التي تمتلئ بها خزانة أبي ، والتي قال لي عنها بأن الإنسان لا يصير عالما إلا إذا كان ملما بمحتواها ، ليست سوى جزءا من العلم ، وأن علوم النحو والفقه التي يفتخر بها أبي ليست سوى قطرة صغيرة في بحر العلوم التي لا تعد ولا تحصى .
في فصل الصيف أستيقظ غالبا على الساعة الرابعة والنصف صباحا ، وفي الخامسة أكون قد أخذت مكاني على الحصيرة الصغيرة التي اعتادت أن تستقبلني كل صباح في فناء المسجد ، قبل أن أجلس عليها أقوم أولا بتقليبها بحذر حتى لا تفاجئني لسعة عقرب غادرة وأنا منهمك على توجيه ضربات الصباح إلى لوحتي بواسطة " الكرار " .
العقارب والفئران السمينة والحشرات الصغيرة هي الكائنات الحية الوحيدة التي تجوب أطراف مسجد قريتنا ، بالإضافة إلي أنا وشيخي إبراهيم ، في أحيان كثيرة ينتابني شعور عارم بالوحدة القاتلة ، أنا الآن في قريتنا، وأمي لا تبعد عني إلا بأمتار قليلة ، لكن الساعات الطوال التي أقضيها في المسجد وحيدا رفقة لوحتي الخشبية التي لا تسمع ولا تتكلم ، والحشرات والفئران ، تجعلني أشعر بغربة شاملة .
في الصيف عندما أخرج من البيت في الصباح الباكر متوجها إلى المسجد ، أسير بخطوات بطيئة مترهلة مثل سكران خرج لتوه من حانة رديئة ، وأنا أغالب سلطان النوم الذي ما تزال بقاياه جاثمة على جفون عيناي الناعستين ، غالبا ما أجد شيخي إبراهيم جالسا في سطح المسجد ، يحرك فقرات السبحة التي لا تفارق أصابع يده اليمنى كل صباح ، بينما الوشاح الأبيض الخفيف الذي تظهر من تحته صفحة صلعته الناصعة ذات اللون الأخضر لا يفارق رأسه في كل أيام الصيف منذ أن أهداه له أحد معارفه عندما عاد من الحج .
الحرارة المفرطة التي يتميز بها الصيف في القرية تقض مضجع شيخي إبراهيم ، لذلك يلتجأ في كل صباح إلى سطح المسجد الذي تهب عليه بين الفينة والأخرى نسمات ريح دافئة تكسر حالة المناخ المخنوق المتشح بالرطوبة الخانقة .
في كل صباح عندما أدخل إلى المسجد أرسم قبلة احترام على ظهر كفه الأيمن ، كفه ليست خشنة مثل أكف رجال القرية ، إنها ناعمة للغاية ، وملمسها يشبه كثيرا ملمس القطة السوداء التي يربيها عمي أحمد في بيته .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أكتوبر 17th, 2007 at 17 أكتوبر 2007 7:30 م
مذكرا ت جمبلة
واصل كتابتها ولا تنقطع
فهي خير بكثير مما يكتبه البعض على أعمدة الجرائد الوطنية التافهة
تحيتي ومودتي
أكتوبر 18th, 2007 at 18 أكتوبر 2007 9:51 ص
مرحبا أخي محمد ملوك …
أشكرك على الكلمات الطيبة التي قلتها في حق هذه المذكرات البسيطة ….
لكنني لا أستطيع أن أعدك بالاستمرار في كتابة المزيد منها ..إنها وشيكة على الانتهاء ، ولم يتبق لي سوى خمس حلقات لا أكثر
مع تحياتي والى اللقاء
أكتوبر 20th, 2007 at 20 أكتوبر 2007 2:05 م
يبدو انك اجتزت الصراط المستقيم بنجاح
اخي راجي ابدعت في مدكراتك ليس لي ان اضيف شيئا اخر غير كلمة ابدعت
أكتوبر 21st, 2007 at 21 أكتوبر 2007 12:25 م
مرحبا بك أختي آسية …
أنا بدوري لا أملك إلا أن اقول شكرا جزيلا على الزيارة الكريمة وعلى الكلمات الرقيقة في حق هذه المجونة البسيطة