مذكرات طفل خجول ( الحلقة الخامسة والستون ) - الماء والنار -

كتبهاmohamed ، في 21 أكتوبر 2007 الساعة: 12:26 م

في أيام الشتاء ، أقطع المسافة الفاصلة بين بيتنا والمسجد في سرعة هائلة ، قساوة البرد تحثني على السير بخطوات سريعة ، أنفي ووجنتاي في صباحات فصل الشتاء تأخذان لونا أحمر مثل حبات الكرز ، بسبب هبات الريح الباردة التي ترسلها الجبال المحيطة بالقرية ، ويداي تكسوهما طبقة جلدية خشنة  ذات لون بني غامق تشبه كثيرا ذلك الورق الأصفر الذي رأيت الصباغ يمرره على الباب الخارجي للمسجد قبل أن يضع له صباغة جديدة .

ابن عمي إبراهيم لديه مشكلة كبيرة مع مرض الربو ، أفراد عائلته هاجروا جميعا إلى المدينة وهو لا يستطيع ، لقد نصحه الطبيب بالاستقرار في القرية تفاديا للمضاعفات التي قد تنشأ عن اقترابه من جو المدينة الرطب . في الصيف عندما تشتد الحرارة وترتفع درجة الرطوبة يصير مثل عصفور صغير ، الوشاح الأبيض الشفاف لا يفارق رأسه ، وعظام منكبيه الرقيقين تظهر بشكل جلي من تحت جلباب الكتان الخفيف الذي يستر به جسده النحيل ، بينما المروحة التي صنعها من الورق المقوى لا تفارق يده ، يحركها يمينا وشمالا أمام وجهه المثلث الذي تزينه لحية خفيفة ، عساها تخفف عنه من حرارة الجو القاهرة ، عندما أنظر إليه وهو في تلك الحالة المؤثرة ينتابني إحساس عميق بالحزن ، وأتساءل مع نفسي لماذا اختار المرض اللعين أن يستقر في جسده وهو لا يستحق ذلك ، وهناك كثير من الأشخاص الذين يستحقون كل أنواع المصائب والأمراض ، لكنهم مع ذلك لا يمرضون ولا يصيبهم أي مكروه ، ثم أستغفر الله في سري ، لأن أبي سبق له أن قال لي بأن المؤمنين لا يطرحون مثل هذه الأسئلة الغريبة ، لأنها تغضب الله ، أبي قال لي بأن الأمراض وكل المصائب الأخرى التي تصيب الإنسان تأتي من عند الله ، وعندما سألته لماذا ؟ قال لي بأن الله يرسل تلك المصائب ليعرف المؤمنين الصادقين من المنافقين ، ثم طلب مني ألا أعود مرة أخرى إلى طرح مثل تلك الأسئلة .

في صباحات فصل الشتاء ، أجد شيخي إبراهيم مكوما في الركن الأيمن لغرفته بجانب خزانة الكتب الصغيرة ، وهو ملفوف في سلهامه الأسود الناعم ، عندما أدخل عليه يخرج يده اليمنى بصعوبة من تحت السلهام ، ثم يمدها نحوي فأنحني حتى أرسم عليها قبلة الاحترام الصباحية المعتادة ، ثم يدخلها بسرعة ، وكأنه يخاف أن أسرقها منه ، يده في أيام الشتاء الباردة تكون دائما ناعمة دافئة ، وكنت أتمنى لو أظل قابضا عليها حتى ألصق بها كل البرودة التي جمعتها وأنا في طريقي إلى المسجد .

أكثر ما يثير غضبي في فصل الشتاء هو الماء والنار ، الماء الذي أغسل به لوحتي الخشبية يكون باردا كالثلج ، كلما انتهيت من غسل اللوحة تتحول أصابعي إلى خشيبات صلبة أحتاج دائما إلى تمريرها أمام لهيب النار حتى تعود إليها الدماء لأستطيع الكتابة بها ، النار أيضا تثير غضبي وتستفزني ، وتكون مصدرا مهما لمتاعبي في صباحات الشتاء الحزينة ، لأنها ترفض أن تتوقد كي أنشف عليها الصلصال الذي أطلي به لوحتي بعد غسلها ، عندما ترفض النار أن تتوقد ، تشتعل نيران الغضب في صدري ، حتى أكاد أصرخ ، لكن صرختي في النهاية تتهاوى لتنطفئ في دواخلي ، مفسحة المجال لزفير حاد يصعد من رئتي الصغيرة مثل حمم بركان متوهجة ، ثم أجلس القرفصاء ، وأرسم بسبابتي أشكالا ليس لها أي معنى على الرماد الذي يكسو أرضية الغرفة التي أوقد فيها النار كل صباح ، وأتساءل مع نفسي إن كان هذا الحزن الذي ظل يرافقني منذ أن هربت من الإعدادية سينتهي في يوم من الأيام ، أم أنه سيستمر في محاصرتي بمخالبه الحادة إلى ما لا نهاية ، وهل يا ترى ستصير حياتي سعيدة يوما ما ، أم أنها ستظل هكذا عابسة ومتجهمة مثل وجه عجوز في سنتها السابعة والثمانين بعد المائة ؟

ولعل ما جعل حزني يتضاعف بشكل مهول هو أني أصبحت أعيش في شبه عزلة تامة ، أصدقائي الذين درست معهم هاجروا جميعا إلى الدار البيضاء والرباط ، باستثناء صديقي عبد الله ، والأطفال الآخرون لا أستطيع رؤيتهم بسبب أنني أقضي معظم الوقت داخل المسجد ، وحتى يوم الخميس الذي هو يوم العطلة بالنسبة لي لا أستطيع رؤيتهم ، لأنهم يكونون في المدرسة . لطالما تمنيت أن أطلب من شيخي إبراهيم ، أن يحول عطلة الأسبوع من يوم الخميس إلى يوم الأحد ، حتى أستطيع ملاقاة الأطفال واللعب معهم ، ولكن كما هي القاعدة دائما لا أستطيع ، لأن خطوط الحوار بيني وبين شيخي إبراهيم مقطوعة كلها ، ليس بسبب عداوة أو خصومة ، بل بسبب الاحترام الزائد الذي أكنه له ، حيث لا أكلمه ولا يكلمني إلا للضرورة الملحة، والكلمات الوحيدة التي أتبادلها معه هي عبارات التحية الصباحية ، حيث ألقي عليه السلام بصوت خفيض ، ثم يرد علي بشكل مقتضب ، وبعد ذلك نصير مثل صنمين متحركين لكنهما لا ينطقان .

أنا لا أعرف لماذا يصر الكبار على بناء هذا السور العظيم من الصمت بينهم وبين الصغار ، لا أعرف لماذا لا يريدون أن يفتحوا آذانهم للاستماع إلى صرخاتنا البريئة وهمومنا الصغيرة ، مثلما لا أعرف لماذا يتعبون أنفسهم في البحث عن حلول لمشاكلهم المعقدة بينما لا يريدون حتى الإنصات لمشاكلنا الصغيرة التي لا تحتاج سوى إلى حلول بسيطة كي تصير حياتنا أكثر سعادة .

لكن الذي يؤلمني أكثر ويجعل الحزن يطوقني من كل جانب ، هو أني بدأت أعقد مقارنة بيني وبين الأطفال الذين أشاهدهم في الفيلم الأسبوعي مساء كل خميس على شاشة التلفزة عند عمي أحمد . ورغم أني لم أكن أفهم ماذا يقولون لأنهم يتحدثون بالفرنسية التي لا أفهم فيها سوى بعض الكلمات القليلة ، إلا أنني أشعر أنهم سعداء للغاية ، وليسوا تعساء مثلي ، إنهم يلعبون مع آبائهم تماما كما يلعبون مع أصدقائهم في ساحة المدرسة ، وعندما يجلسون بين أفراد عائلاتهم يتم التعامل معهم مثل رجال محترمين ويتحدثون إلى أساتذتهم داخل القسم بكل عفوية ومن دون أي خوف ، بينما أنا لا أستطيع حتى أن أرفع عيني في وجه شيخي إبراهيم ، وإذا أردت أن أختلس نظرة إلى وجهه كي أعرف كيف هو مزاجه ، فغالبا ما أرفع اللوحة وأخفي بها وجهي ، وأنظر من الثقب الذي يتوسطها في الأعلى ، وإذا حدث أن التقت عيناي بعينيه صدفة فاني سرعان ما أخفضهما وأشعر بالذنب ، وكأنني اقترفت جرما عظيما ، وكنت أقول مع نفسي في كثير من المرات ، ماذا سيحدث لو أن شيخي إبراهيم قرر أن يغير من طريقة تعامله معي ، لتصير علاقتنا مثل تلك التي تجمع بين الأطفال الذين أشاهدهم في الأفلام مع أساتذتهم ، لا شك أنني سأشعر براحة عظيمة ، ولا شك أن حياتي ستصير سعيدة للغاية ، لكن شيخي إبراهيم لا يريد أن تتحول علاقتنا إلى هذا الشكل ، إنه يريد أن يظل دائما هو السيد المطاع ، وأظل أنا عبده المطيع ، ولا أعتقد أنه سيفتح أي باب للحوار بيننا ، لأن الشكاوى التي سأوجهها إليه ستكون كثيرة جدا ، وفي النهاية سيجد أن كثيرا من الأشياء التي فرضها علي ليست في محلها ، وهذا ما لا يريد شيخي إبراهيم أن يصل إليه .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة الخامسة والستون ) - الماء والنار -”

  1. أخي الراجي أريد أن اجري معك حوارا ، لننشره في جريدة التجديد المغربية في صفحة فضاء المدونات التي تكون كل اثنين .

    مصطفى بوكرن مشرف صفحة المدونات على جريدة التجديد

  2. لقد دخلت المدونة بصراحة لكي اقرا رسالة بدون عنوان ولكنني لم اجدها هنا لدا اتمنى منك وضعها على صفحات المنتدى الدي اخبرتك عنه .

    وعلى فكرة لقد تاترت بها جدا رغم انني بالواقع لا احب رسائل ال الغراب والتسبب ولكن رسالتك وجدت عنوانها الى قلوب كل من قرأها

    فتحية لك يا راجي على اسلوبك الرائع

  3. في الحقيقة أخي مصطفى أنا متفاجيء كثيرا لهذا الطلب …

    حقيقة لا أعرف ما الذي سأقوله عندما تسألني لأني بكل بساطة غير متعود على عملية طرح الأسئلة والاجابة عنها ..وعموما فأنا رهن اشارتك وقتمنا تريد ..

    وشكرا كثيرا

  4. أختي أسية مرحبا بك مرة أخرى …

    لم أنشر الرسالة بعد على هذه المدونة ، وأعدك أني سأفعل ذلك لاحقا ، أي عندما أنتهي من نشر كافة حلقات مذكرات طفولتي التي أوشكت على النهاية ..

    وعموما أنت لا تحتاجين مني إلى اذن خاص كي تنشري المواضيع التي أكتبها على المنتدى …

    ابتداء من هذه اللحظة يمكنك أن تنسخي ما تشائين وتنشريه بكل راحة من دون أن تشتشيري معي في الأمر..أوكي ..أتمنى لك كامل التوفيق والنجاح

    مع تحياتي



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر