مذكرات طفل خجول ( الحلقة السادسة والستون ) - بداية فصل المراهقة -

كتبهاmohamed ، في 22 أكتوبر 2007 الساعة: 22:54 م

عمري يسير بخطوات سريعة نحو بلوغ السنة الخامسة عشر، نبرات صوتي لم تعد رقيقة كما كانت قبل أشهر قليلة بعدما زحفت عليها الخشونة وحولتها إلى نبرات أشبه بصوت الرجال. أنا لا أفهم سر كل هذه التحولات التي يعرفها جسدي من أصابع قدمي، إلى قمة رأسي.

عندما أقف أمام المرآة المستطيلة التي علقتها أمي على حائط الغرفة ، وأتأمل في وجهي ، ألاحظ أن ثمة تغييرات كثيرة بدأت ترتسم على وجهي وعلى سائر أطراف جسدي . هناك تحت أنفي ينمو شارب صغير مرسوم بشعيرات رقيقة كتلك التي توجد تحت إبط النعجة ، وعندما أطوي سروالي أثناء الوضوء ، ألاحظ أن شعيرات أخرى أكثر وضوحا بدأت تزحف على ساقاي .

ما هذا الذي يحدث في جسدي يا الاهي ؟

حتى نساء القرية لم يعدن يتعاملن معي بتلك التلقائية والعفوية كما كن يفعلن في الماضي ، كثيرا ما رأيت إحداهن تطلب من الأخريات أن يصمتن بإشارة من أصبعها كلما دخلت عليهن وهن مجتمعات في فناء البيت ، فيقطعن حديثهن ويغرقن في الصمت ، أو يغيرن الموضوع الذي كن يتحدثن فيه إلى موضوع آخر ، أما النساء اللواتي يأتين من الدواوير المجاورة لزيارة " الزاوية " فلم يعد مسموحا لي برؤية وجوههن ، كلما صادفت إحداهن في الطريق أو داخل البيت تسرع إلى إخفاء وجهها تحت الغطاء الذي تضعه على رأسها ، لقد رأيتهن يفعلن ذلك أيضا مع عمي أحمد ، لأن العرف السائد في " الزاوية " يقتضي أن لا يرى الرجال وجوه النساء ، لكن لماذا يتعاملن معي أنا أيضا بنفس الطريقة التي يتعاملن بها مع الرجال ، ربما أصبحت أنا أيضا رجلا مثل كل الرجال دون أن أدري .

لكني لا أريد أن أصير رجلا بهذه السرعة ، ما زلت أرغب في قضاء لحظات من الأمان في حضن أمي الدافئ ، وأن أنصت إلى نبضات قلبها الهادئة .

وشيئا فشيئا ، بدأت أقتنع أني لم أعد طفلا صغيرا كما كنت في الماضي ، أمي لم تعد تعاملني بذلك الحنان المفرط الذي كانت تحفني به من قبل ، لم تعد ترسم قبلة المساء على جبهتي عندما آوي إلى فراش النوم ، وفي الصباح توقظني بصوت بارد لا أثر فيه لذلك الحنان الذي كان يعمه قبل أن أصل إلى هذه المرحلة الجديدة . أبي أيضا بدأت طريقة تعامله معي تتغير ، ولم تعد كما كانت في السابق ، الحوار الذي كان يدور بيننا عندما نجلس سويا ، لم يعد عفويا ومسترسلا كما كان في الماضي ، بل صار مجرد كلمات معدودات يفصل بين الواحدة والأخرى صمت طويل ، وكلما دخلت على أبي في الغرفة أشعر وكأنه يعاملني مثل رجل محترم ، كثيرا ما وجدته مستلقيا على جنبه ، وعندما يراني ، يقوم ويعتدل في جلسته ، ثم يخرج من رئتيه سعلة مصطنعة لا أعرف معناها .

لقد صرت " رجلا " رغم أنفي ، وعلي أن أتأقلم مع هذا المنعطف الجديد الذي انعرجت نحوه حياتي ، أنا الآن أنتمي إلى عالم الرجال ، وعلي أن أنسى عالم الطفولة الجميل إلى الأبد . ورغم أن السنوات الأخيرة من طفولتي لم تكن جميلة ، كوني عشت لحظات من الحزن المسترسل منذ هربت من الإعدادية ، إلا أنني مع ذلك أحب عالم الطفولة .

أنا متوجس جدا وخائف من دخول عالم الرجال ، أمي قالت لي غير ما مرة بأن الطفولة هي أسعد مرحلة في عمر الإنسان ، وعندما تنتهي هذه المرحلة السعيدة تأتي مرحلة النضج مصحوبة بالهموم الثقيلة والأحزان الكئيبة .

أمي قالت لي بأن الأحزان والهموم هي التي تجعل رؤوس الرجال تشيب شيئا فشيئا ، إلى أن يصير منظرها النهائي أشبه بأشجار اللوز التي تكسوها الأزهار البيضاء في شهر مارس ، قالت لي أيضا بأن الحزن هو الذي يجعل التجاعيد القبيحة ترسم خطوطها الأفقية والعمودية على وجوه الرجال ، وكلما تقدم العمر تتكاثر تلك الأحزان ، وتتكاثر معها التجاعيد وتتضاعف .

الآن أعرف لماذا تشبه وجوه رجال القرية حقولا بورية بدون سنابل .

لكن وجوه الرجال الذين أشاهدهم في المسلسلات والأفلام على شاشة التلفزيون عند عمي أحمد ليست فيها تجاعيد ، وجوههم ناعمة وجميلة مثل وجوه الأطفال الصغار ، عندما أقارن وجوههم بوجه عمي أحمد ، أكاد أنفجر من الضحك ، وجه عمي أحمد يشبه كثيرا قطعة القصدير التي تغطي بها أمي خم الدجاج الموجود في الحوش بجانب المنزل ، التجاعيد الأفقية تخترق جبهته من أقصاها إلى أقصاها ، وبين حاجبيه تنتصب تجاعيد عمودية أكثر بشاعة ، بينما ذقنه الذي لا يحلقه إلا يوم السوق الأسبوعي غزاه الشيب وصارت لحيته خليطا من الأبيض الناصع والأسود الباهت الذي ينتظر دوره ليصير هو أيضا أبيضا .

فهل سيصير وجهي أنا أيضا على هذا الشكل المرعب ؟ أم أنه سيظل ناعما بلا تجاعيد ، مثل وجوه الرجال الذين أشاهدهم في التلفزيون ؟ وهل يا ترى سيظل شعري محافظا على لونه الأسود الغامق ، أم أنه سيصير مثل كومة من القطن الأبيض ؟

أمي قالت لي بأن التجاعيد ليست عيبا ، لأن الإنسان مهما عمر في الدنيا ، فسوف يأتي اليوم الذي تنتهي فيه حياته ، وطلبت مني ألا أفكر في هذا الأمر ، لأن الدنيا كلها ستنتهي في يوم من الأيام ، وحتى الجبال التي تحسب نفسها صلبة ستنهار ، وأجسادنا سيأكلها الدود في القبور الباردة سواء كانت جميلة أو قبيحة ، وبعد ذلك سيخلق الله الناس من جديد في عالم آخر لا يشبه هذا العالم الذي نعيش فيه في أي شيء ، هناك سيعيش الناس إلى الأبد ، ولن تنتهي حياتهم كما تنتهي في الدنيا ، وسيعيشون بوجوه جديدة أكثر جمالا ، لا تغزوها التجاعيد القبيحة ولا الشيب الأبيض ، وطلبت مني إن كنت أريد أن يخلقني الله في ذلك العالم بوجه جميل أن أحافظ على الصلاة ، لأن المؤمنين وحدهم من يخلقهم الله بوجوه جميلة ، أما الآخرون فيخلقون بوجوه أكثر بشاعة من تلك التي عاشوا بها في الدنيا .

وعندما انتهت أمي من كلامها ، سألتها مرة أخرى لماذا تملأ التجاعيد وجوه رجال القرية ، بينما رجال التلفزيون ليست في وجوههم تجاعيد . وكان جوابها أن الرجال الذين أشاهدهم في التلفزيون ليسوا حقيقيين !

" شيخي إبراهيم " بدوره عندما رأى علامات الرجولة تظهر على جسدي ، طلب مني أن أشتري لوحة جديدة ، في البداية لم أكن أعرف ما هو الداعي إلى تغيير لوحتي القديمة ، لكني سأعرف فيما بعد أني سأنتقل إلى كتابة ربع حزب كامل كل صباح ، بعدما كنت أكتب ثمنا واحدا فقط ، ليس هذا فحسب ، بل إن شيخي إبراهيم ، طلب مني أن أخصص لوحتي القديمة لكتابة متن " البردة " ، وبعد ذلك ستليها  "الهمزية " و " الأجرومية " و " ابن عاشر " ، وهكذا بدأت حياتي تتغير من سيء إلى أسوأ ، وبدأ حزني يتضاعف بشكل مرعب ، ويوما عن يوم تزداد وحدتي عمقا ، أمي التي كانت تخفف عني من حزني لم تعد تحضنني ، بل لم تعد تهتم بي كثيرا ، اهتمامها كله منحته لشقيقي الذي ما يزال طفلا صغيرا ، أما أنا فقد صرت " رجلا" في نظرها ، ولا داعي لأن تستمر في تدليلي . لكنني أريدها أن تحضنني ، وأن تمرر راحة يدها الناعمة على شعر رأسي ، ولكن الأيام تمر وأمي مستمرة في تجاهلي .

فجأة ظهر الصوت الهامس الذي يوسوس في دواخلي كلما طوقني الحزن بمخالبه العنيفة ، وقال لي بأن أبي هو الذي طلب من أمي أن تكف عن معاملتي كطفل صغير كي أصير رجلا شجاعا ، ولكي أتأكد من هذا الخبر الجديد الذي جاءني به الصوت الهامس تعمدت البكاء أمام أمي في إحدى الليالي ، عندما استعصى علي حفظ ربع الحزب الذي سأكتبه في اليوم الموالي ، أمي لم تحضني كما كانت تفعل من قبل عندما أبكي ، بل قالت لي جملة سيتغير معها مجرى حياتي . قالت لي بصوت حازم لم تخاطبني بمثله من قبل :

- كفى من البكاء ، لقد صرت الآن رجلا ، والرجال لا يبكون .

وهكذا دخلت إلى عالم الرجال رغما عني .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة السادسة والستون ) - بداية فصل المراهقة -”

  1. هنيئا لك بمدكراتك المتميزة ومزيدا من التالق كعادتك.

    دام لك الاشراق والتجلي.

  2. سي محمد الراجي

    أعجبت كثيرا بطريقة سردك لذكرياتك للأسف غادرت طفولتك و انتقلت إلى عالم الرجولة المعقد ; لكن هذا لا يمنع أن تعيش أوقات مع ذلك الطفل الذي لا زال يسكنك

    ما أجمل الطفولة , لذلك ربما سموها بالجنة المفقودة لكن مع ذلك لكل مرحلة عمرية مميزاتها و جمالها و ذوقها

    دمت في ود

    بالمناسبة ستجد في مدونتي قصة ” فشي شكل ” بعنوان الثماثل المحوري , أثمنى أن تشرفني بالزيارة

  3. مرحبا بك اخي حمو زروال …

    وشكرا جزيلا على الكلمات الطيبة التي قلتها في حق هذه المذكرات البسيطة ..

    أتمنى بدوري أن تظل دوما متألقا ..

    مع تحياتي الصادقة

  4. لقد غبت كثيرا أخي ميمون حتى اعتقدت أنك قد غادرت عالم التدوين بلا رجعة وتفرغت لأشياء أخرى ..

    أنا سعيد جدا بعودتك ..وطبعا سوف أقوم بزيارة إلى مدونتك الآن ..

    شكرا والى اللقاء



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر