مذكرات طفل خجول ( الحلقة السابعة والستون ) - بداية فصل المراهقة -

كتبهاmohamed ، في 24 أكتوبر 2007 الساعة: 10:54 ص

المراهقة أضافت إلي مسؤوليات جديدة ، أنا الآن هو" الرجل الثاني " في البيت بعد أبي ، الذي يعيش وحيدا في مسجده البعيد ، ولا يأتي لزيارتنا إلا مرة واحدة في الشهر .

أصبحت أذهب إلى السوق الأسبوعي كل يوم ثلاثاء مثل رجل محترم ، في الماضي كان ابن عمي علي هو الذي يتكلف بهذه المهمة ، كان هو من يأتينا بالخضار واللحم وكل الأشياء التي نحتاجها من السوق الأسبوعي ، ابن عمي علي هاجر إلى المدينة رفقة عائلته بعدما اشترى لهم شقيقهم الأكبر الذي يقيم في ايطاليا منزلا في ضواحي مدينة أكادير .

الزاوية يتناقص عدد سكانها ، مثلما يتناقص سكان الدواوير الأخرى بسبب الهجرة إلى المدينة .

يوم الثلاثاء ، صار هو أيضا يوم عطلة أسبوعية بالنسبة لي ، إضافة إلى يوم الخميس ، والنصف الأول من يوم الجمعة. أذهب إلى السوق في الصباح الباكر على متن سيارة " الخطاف " الذي يقيم في أحد الدواوير المجاورة ل "الزاوية " ، ونعود مع اقتراب العصر ، هذا الخطاف يملك دكانا للبقالة في القرية ، ويوم السوق الأسبوعي يحمل معه سلعا كثيرة ويعرضها تحت خيمة صغيرة وسط السوق ، في الصباح أساعده على نصب الخيمة وترتيب السلع فوق الرفوف التي يصنعها من صناديق الورق المقوى ، وبعد ذلك أساعده على خدمة الزبائن الذين يتوافدون عليه دون انقطاع ، وفي المساء عندما تنتهي الحركة في السوق ، أساعده على جمع السلع وشحنها في السيارة من دون أي مقابل ، رغم أنه كان يجني نقودا كثيرة ، عندما يعدها ، يسيل لعاب كثير من فمي ، وأتمنى أن أصير أنا أيضا في يوم من الأيام تاجرا .

الطيبوبة الزائدة التي كانت هي السمة الأساسية لشخصيتي ، بسبب التربية المسالمة التي ربتني عليها أمي ، جعلت ذلك التاجر الجشع يستغلني بهذا الشكل مثل حمار صغير ، الحمير على الأقل يعطيها أصحابها التبن والشعير ، أما أنا فلا أحصل سوى على التعب والإرهاق .

وبعد مضي أكثر من عام على هذا الاستغلال المجاني ، بدأ " الخطاف " يرفض أن أؤدي له ثمن الرحلة إلى السوق ، ولم يعد يسمح لي بدفع نصيبي من ثمن وجبة الفطور والغذاء التي نتناولها في المقهى المقابلة للخيمة التي ينصبها وسط السوق .

لا أعرف إن كان أحد ما هو الذي نبهه إلى ذلك ، أم أن ضميره هو الذي أنبه في لحظة من اللحظات ، وبدأ يسمح في تلك العشرة دراهم ، التي كنت أعطيها له عندما أنزل من سيارته المهترئة بعد عودتنا من السوق .

ورغم أن تلك العشرة دراهم التي لم يعد  " الخطاف " يقبضها مني ليست مبلغا كبيرا ، إلا أنني كنت أفرح بها أيما فرحة ، فآخر شيء يمكن أن تحصل عليه في القرية هو النقود . أمي تطلب مني دائما أن أعيد إليها تلك الدراهم العشرة بعدما أخبرتها أن " الخطاف " لم يعد يقبضها مني ، لكني كنت أرفض ذلك ، ودائما أقول لها بأني كسبتها بعرق جبيني ، لأني أساعد ذلك " الخطاف" في السوق من الصباح الباكر إلى غاية العصر تحت أشعة الشمس الحارقة في الصيف ، ووسط هبات البرد القارس في الشتاء ، ولكن عندما أرى أن أمي بحاجة ماسة إليها ، من أجل اقتناء ضروريات حياتنا ، أتنازل عنها حتى لا تغضب مني ، أمي لا أحب أبدا مجادلتها ، ولا أحب الدخول معها في حروب صغيرة قد تجعل الحزن يجتاح عينيها مرة أخرى من دون رحمة .

ليس الخطاف وحده من يستغل طيبوبتي ، نساء " الزاوية " أيضا يرسللني إلى دكان البقالة الذي يبعد بمسافة غير قصيرة لأقضي لهن حاجياتهن الخاصة ، لأن الأطفال الآخرين يرفضون القيام بتلك المهمات من دون الحصول على مقابل ، أما أنا فلا أستطيع أن أقول لا ، بسبب طيبوبتي الزائدة ، كل الأوامر التي أتلقاها أنفذها من دون أي اعتراض ، لقد عانيت كثيرا من هذه الطيبوبة التي تجاوزت كل الحدود ، لكني ظللت دائما صابرا ، لأن أبي قال لي ذات مرة بأن سيد الرجال هو خادمهم ، لم أقتنع كثيرا بهذا الكلام ، لكني وجدت فيه مهدئا أطفئ به الغضب الذي يشتعل في دواخلي دون أن أستطيع إخراجه .

لكنني بدأت أتغير منذ دخولي إلى عالم المراهقة ، شيخي إبراهيم ، طلب مني أن لا أجعل من يوم السوق لأسبوعي يوما كاملا للراحة ، وأمرني أن ألتحق بالمسجد مباشرة بعد عودتي من السوق ، لكني قلت له بأني لا أستطيع ، لأنني أكون متعبا للغاية ، وعلى مضض قبل " شيخي إبراهيم " هذا الاعتذار ، رغم أنه لم يكن مقتنعا به .

لقد صار الآن بإمكاني أن أرفض بعض الأوامر التي يوجهها إلي شيخي إبراهيم ، الاحترام الكبير الذي أكنه له ما يزال قائما ، لكنه لم يعد يقترب من درجة الخوف كما كان في الماضي . مرحلة المراهقة التي مضى الآن عامان كاملان على دخولي إليها ، جعلتني أبحث عن إثبات رجولتي واستقلاليتي .

وهكذا بدأت أخرق النظام العسكري الذي كان شيخي إبراهيم يلزمني على التقيد به منذ التحاقي بمسجد القرية .

في الماضي كنا نقرأ حزبين كاملين يوميا بعد صلاة العصر ، إضافة إلى ربع من قصيدة " البردة " ، وربع آخر من قصيدة " الهمزية " ، ثم نختم بالدعاء الطويل الذي يتلوه شيخي إبراهيم ، بينما أردد أنا عبارة " آمين " بصوت يملأه الخشوع .

الآن لم أعد أقرأ حزبا ولا حزبين بعد صلاة العصر ، بمجرد انتهائنا من الصلاة أنتعل حذائي ، وأهرع نحو الملعب المترب الضيق الذي يجتمع فيه شباب الدواوير المجاورة للعب الكرة ، شيخي إبراهيم ، تعب من مطالبتي بالالتزام بالنظام الذي رسمه لي ، قال لي بأنه لا بد من قراءة حزبين بعد صلاة العصر ، لأن كل طلاب المدارس العتيقة يقرؤون حزبا بعد صلاة الفجر ، وحزبا آخر بعد صلاة المغرب ، وبما أنه يريد أن يخفف عني كما قال ، فقد جمع ذلك الحزبين بعد صلاة العصر حتى لا أضطر للبقاء في المسجد إلى ما بعد صلاة المغرب . وعندما رأى أن كلامه لم يعد يجدي معي نفعا شكاني لأبي . أبي لم يعجبه الأمر ، وعاد مرة أخرى ليطرح مشكل بقائي في القرية عند أمي ، فقال لي بأن سبب هذا التقاعس والكسل الذي اعتراني من جديد هو أن أمي تدللني كثيرا ، ولكي يزيد من ضغطه علي هددني بإرسالي إلى مدرسة عتيقة في قبيلة تبعد عن قبيلتنا بأميال كثيرة . قال لي بصوت حازم :

- إذا لم تعد لديك رغبة في الالتزام بالنظام الذي رسمه لك شيخك إبراهيم ، فسوف أرسلك إلى المدرسة العتيقة في قبيلة " تنالت " ، هناك ستلتزم بالنظام الصارم الذي يفرضه شيخ تلك المدرسة على الطلبة رغم أنفك .

وهكذا بدأت المشاكل تطفو مرة أخرى على سطح علاقتي بأبي ، لقد كنت أعتقد أن كل مشاكلنا قد حلت وانتهت عندما سمح لي بالبقاء في القرية عند أمي بعد هروبي من الإعدادية ، لكن مشاكلي يبدو أنها لا تريد أن تنتهي ، ما أن أدفن واحدة حتى تظهر أخرى …

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة السابعة والستون ) - بداية فصل المراهقة -”

  1. اهلا بالصدبق محمد

    هكذا هي دئما علاقة الصغار بالكبار عدم التفاهم وانقطاع حبل التواصل بينهما, ما عشته أخي محمد جميل جدا لا أنكر كم تمنيت وأنا أقرأ مذكراتك أن أكون مريدا لوالدك الطيب, أن أقرأ كما البرنامج الذي كنت عليه وفي المساء أجول في الغابة, كم هي بسيطة رغم شدتها هته الحياة ,أصعب شيء هو الالتزام ببرنامج ما خاصة إذدا كان مفيد .

    جميل هو حكيك أخي محمد وكما أقول دائما رائع ما تكتب.

    صديقك عبد اللطيف.

  2. صديقي العزيز عبد اللطيف …أهلا وسهلا ومرحبا بك مرة أخرى ..

    في الحقيقة لقد سعدت كالعادة بهذا التعليق الجديد ، وأشكرك كثيرا على الإحترام الكبير الذي أبديته تجاه والدي أطال الله في عمره ..

    صحيح أخي ، العلاقة بين الكبار والصغار هي دائما على هذا النحو السيء ، ونرجو أن تكون علاقة أبناء جيلنا والأجيال القادمة أكثر تماسكا وقوة ..

    طابت ليلتك صديقي والى اللقاء

    مع تحياتي الصادقة

  3. ahlan asi mouhmad istfjijt manicantgit hati yassine iws nbo lhmama ayad fstisa3 izin elobnani wla mray3jbk hal safi yassine

  4. محاولة متازة ,أنا جد مسرور بقرأة ما كتبته



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر