مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثامنة والستون ) - أحلام المراهقة -

كتبهاmohamed ، في 27 أكتوبر 2007 الساعة: 10:13 ص

جسدي ينمو بسرعة لا تخفى على العين، عمتي فاطمة التي تقيم في مدينة الدار البيضاء، اعترفت لي بأنني صرت رجلا.

عندما نزلت من سيارة " الخطاف " الذي أقلها هي وأولادها إلى القرية، لاحظت أنها لم تعد طويلة القامة كما كانت في آخر زيارة لها إلى القرية قبل عامين، وقتذاك، عندما أردت أن أقبل رأسها انحنت كي أستطيع بلوغ هامتها.

هذه المرة قبلت رأسها من دون أن تنحني ، قامتي أصبحت تفوق قامتها بسنتيمترات كثيرة ، حتى أنها حدقت في كثيرا عندما سلمت عليها ، وكأنها تستغرب لهذا التحول الكبير الذي طرأ على جسدي في ظرف عامين .

عمتي فاطمة تسخر مني كثيرا عندما أتحدث، تقول لي بأن صوتي لم يعد جميلا كما كان في الماضي، وأنه صار الآن أشبه بصوت الرعد !

وعندما تجدني جالسا وسط نساء الزاوية تطلب مني بلغة يجتمع فيها الجد بالهزل أن أنصرف ، لأن مكاني الآن هو بين الرجال وليس بين النساء كما تقول ، وإلا فأي معنى سيبقى لذلك الشارب الرقيق الذي بدأ يغزو المساحة الفاصلة بين شفتي العليا وأرنبة أنفي .

ذات يوم قالت لي مازحة بأنها ستطلب من أبي أن يزوجني، لأنني صرت الآن رجلا. ورغم أن عمتي فاطمة كانت فقط تمازحني ، إلا أن كلامها خلف في دواخلي موجة من الأحاسيس الملتهبة ، لأن مشاعري حينذاك كانت كلها متجهة نحو فتاة جميلة كانت تأتي بين الفينة والأخرى رفقة أمها إلى الزاوية .

وبدأت أتساءل مع نفسي، ماذا لو تحول الكلام الذي مازحتني به عمتي فاطمة إلى حقيقة، ماذا لو زوجني أبي تلك الفتاة التي لم يعد يهمني أي شيء سواها، وبدأت أسئلة المراهقة المحيرة تتكاثر، وتتكاثر معها الأحلام والأماني.

لا أعرف كيف أفسر تلك المشاعر الجميلة التي تجتاحني عندما أرى تلك الفتاة، وعندما قالت لي عمتي فاطمة بأنها ستطلب من أبي أن يزوجني صارت تلك المشاعر أكثر غموضا وأكثر جمالا.

عندما أستلقي على ظهري وسط السرير الذي يقبع في الركن الأيمن للغرفة التي أنام فيها ، تأتي صور كثيرة وترفرف أمام عيوني ، تارة أرى نفسي جالسا رفقة تلك الفتاة لوحدنا على ضفة الوادي ، وتارة أخرى أراها وهي تجري وسط السنابل التي تملأ الحقول المحيطة بالقرية في شهر مارس .

وعندما ينتهي هذا الشريط الجميل ، يحل محله الحزن والقلق ، فأنا لا أستطيع أن أكلم فاطمة ، هذا هو اسمها ، ولا أستطيع أن أخرج برفقتها إلى ضفة الوادي ، بل لا أستطيع حتى الجلوس معها لوحدنا داخل البيت ، أو في أي مكان آخر ، كل هذه الأشياء ممنوعة في " الزاوية " ، وإذا حدث ووجدتني أمي في يوم من الأيام جالسا رفقة فاطمة فإنها لن تغفر لي ذلك ، وأول شيء ستفعله هو إخبار أبي ، وهو بدوره لن يتردد في توبيخي ، لا أعتقد أنه سيتجرأ على ضربي لأنني الآن صرت " رجلا " بأكتاف عريضة ، لكني لا أشك في أنه سيوبخني ، وربما يرغمني على العودة إلى مسجده البعيد كي يراقبني بشكل جيد .

أنا لا أعرف لماذا يصر هذا الحزن الأسود على أن يطوقني دوما بمخالبه الحادة.

فاطمة صارت هي كل همي، ولم أعد أفكر في أي شيء آخر سواها. تأتي إلى " الزاوية " رفقة أمها وتقضيان عندنا ثلاثة أيام ، هذه الأيام الثلاثة التي تقضيها فاطمة في بيتنا مختلفة عن الأيام الأخرى ، الساعات تمر بسرعة مجنونة ،  والسعادة تملأ كل أرجاء قلبي . عندما أتنفس أشعر أن الأنفاس التي تتصاعد من الرئة اليسرى التي تجاور قلبي ، مختلفة كثيرا عن الأنفاس التي تصعد من الرئة اليمنى . أنفاس الرئة اليسرى أكثر عمقا وأكثر حلاوة من أنفاس الرئة اليمنى ، أما معدتي فإنها صارت ترفض استقبال أي نوع من الطعام إلا عندما يبلغ بي الجوع حدوده القصوى .

وشيئا فشيئا بدأت أحب عالم الرجال الذي دخلت إليه رغما عني ، ولم يعد الحنين يشدني إلى عالم الطفولة الذي خرجت منه يوم زحفت الخشونة على صوتي ، وزحفت معها الشعيرات السوداء الرقيقة على ساقاي وعلى أطراف أخرى من جسدي . لقد وجدت أن عالم الرجال الذي قالت لي أمي بأنه مليء بالحزن والهموم ، فيه أيضا لحظات جميلة ، لم أشعر بمثلها من قبل ، ولم أر لها نظيرا أيام طفولتي .

كلما وقفت أمام المرآة ألاحظ أن اللحم الذي يكسو عظام وجهي بدأ يتلاشى، مخلفا وراءه عظاما بارزة لا تخفى حتى على جدتي التي لم تعد عيناها تبصران بما فيه الكفاية.

هل هذا هو الحب الذي طالما سمعت " الروايس " يشتكون منه ومن جروحه التي لا تندمل ؟

لا أعرف ، ليس هناك من يتطوع ليشرح لي هذه الأشياء التي تحيرني ، كل ما أعرفه هو أن حياتي طالها التغيير الشامل ، ولم تعد كما كانت في الماضي ، جسدي تغير كثيرا ، وتغيرت معه نفسيتي أيضا .

أمي تراقبني بعيون حذرة ، تراقب كل هذه التغييرات التي تعرفها حياتي في صمت ، لعلها تفهم جيدا أنني أعاني من شيء ما ، لكنها لا تملك الشجاعة الكافية لتسألني عن سبب معاناتي ، ولا أعتقد أنها ستتجرأ في يوم من الأيام لتفتح معي حوارا حول هذا المنعطف الذي انعرجت نحوه حياتي ، إنها تعرف كل شيء بدون شك ، أمي ليست غبية ، إنها تعرف كل شيء ، لكنها تدعي عكس ذلك ، مثلها مثل سائر نساء القرية الخجولات .

أمي لن تفتح معي أي حوار حول أموري الحميمة، لأن سور الحياء العظيم يقف شامخا بيننا، ويمنع عليها أن تفاتحني في مثل هذه المواضيع.

أعرف الآن أن هذه المرحلة التي دخلت إليها هي مرحلة المراهقة ، لم يعد يساورني أي شك في هذا ، أذكر أننا قرأنا عنها في أحد دروس النشاط العلمي في أواخر السنة الدراسية السادسة يوم كنت تلميذا في مدرسة القرية ، نفس الأعراض التي قال لنا المعلم بأنها من علامات المراهقة هي التي تجتاحني الآن ، الشعر الذي يكسو مناطق كثيرة من الجسد ، وخشونة الصوت والأفكار المتناقضة ، كل هذه الأشياء يعرفها جسدي الآن ، إذن أنا في طور المراهقة .

أذكر أن المعلم قال لنا عقب نهاية الدرس بأن الآباء يتحملون مسؤولية عظيمة في جعل أبنائهم يمرون من هذه المرحلة بسلام .

لكن أين هو دور أبي ، وأين هو دور أمي وأنا أمر من هذه المرحلة الحرجة من حياتي ، لا أحد منهما يلقي إلي أدنى اهتمام ، بل إن المسافة التي تفصل بيننا ما فتئت شساعتها تتسع يوما بعد يوم منذ أن صارت نبرات صوتي أشبه بنبرات صوت الرجال ، أمي تشفق علي من خلال نظراتها التائهة التي تركزها علي ، لكن هذا وحده لا يكفي ، أنا لست بحاجة إلى نظرات الشفقة التي لا تزيدني إلا حزنا وكآبة ، أنا بحاجة إلى من يتحدث إلي ، وإلى من هو مستعد ليضع أذنه أمام فمي لأفصح له عن الهموم الصغيرة التي تثقل قلبي .

وإن كانت أمي تشفق علي بنظراتها التائهة فإن أبي لا يشفق علي لا بنظراته ولا بلسانه ولا بأي شيء آخر ، عندما كنت طفلا كان الحديث بيني وبينه لا ينتهي ، أما الآن فالحوار الوحيد الذي يستطيع أن يفتحه معي ، هو مطالبتي بالجلوس إلى جانبه لاستعراض الأحزاب التي حفظتها من القرآن الكريم ، وبعد ذلك يأتي الصمت الرهيب ليخيم بظله الأسود القاتم بيننا .

ترى هل مر أبي من هذه المرحلة الحزينة التي أمر منها أنا ؟ أم أنه صار رجلا دون أن يمر من مرحلة المراهقة ؟ ليت أبي يطرح هذا السؤال على نفسه ، فلو فعل ذلك لربما تغيرت طريقة تعامله معي …  

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة الثامنة والستون ) - أحلام المراهقة -”

  1. ترى هل مر أبي من هذه المرحلة الحزينة التي أمر منها أنا ؟ أم أنه صار رجلا دون أن يمر من مرحلة المراهقة ؟ ليت أبي يطرح هذا السؤال على نفسه ، فلو فعل ذلك لربما تغيرت طريقة تعامله معي …

    سؤال طرحته ايضا في هده المرحلة

    تحيتي ومودتي

  2. بدوري أحييك أخي محمد …وأقول لك شكرا جزيلا على الزيارة ..



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر