مذكرات طفل خجول ( الحلقة التاسعة والستون ) - الفقهاء لا يعرفون ما هو الحب! )

كتبهاmohamed ، في 28 أكتوبر 2007 الساعة: 21:59 م

عندما رأيت أن أبي عازم على " نفيي " إلى تلك المدرسة العتيقة البعيدة إذا لم ألتزم بقراءة حزبين في المسجد بعد صلاة العصر كما هي العادة ، حاولت الدفاع عن نفسي بكل ما أوتيت من قوة ، وحاولت أن أكسب رضاه حتى لا ينفذ تلك الخطة الجهنمية ، وهكذا اتفقت معه ومع شيخي إبراهيم على قراءة ذلك الحزبين في البيت ، وتعهدت أمامهما بالالتزام بذلك ، وأذكر أن أبي قال لي حينها بأنني مسؤول عن هذا الالتزام أمام الله ، وهكذا بدأت أغادر المسجد بعد صلاة العصر ، وفي نفس الآن جنبت نفسي الذهاب إلى تلك المدرسة العتيقة التي لا يمكنني أن أتصور نفسي داخلها ، ليس لأني ما زلت لا أستطيع الابتعاد عن أمي ، فأنا الآن صرت " رجلا " ، وبإمكاني أن أذهب إلى أي مكان ، لكن الطلبة الذين يدرسون القرآن الكريم في تلك المدرسة يعيشون في أوضاع مزرية للغاية ، ولن أقبل العيش في مثلها ، أغلبهم يعيشون طيلة أيام الأسبوع على الخبز البارد وزيت الزيتون ، ولا يعرفون شيئا اسمه المرق ، أما اللحم فلا يأكلونه إلا بعد عودتهم إلى بيوت عائلاتهم في عيد الأضحى .

وأنا على أي حال لن أقبل العيش في وضع كهذا ، ثم إن علاقتي بالقرية أصبحت تتقوى يوما بعد يوم منذ أن دخلت إلى طور المراهقة ، بسبب المشاعر العاطفية التي بدأت تجتاح قلبي مثل أعاصير هائجة .

عندما أخرج من المسجد بعد صلاة العصر ، أقف مدة من الزمن أمام المرآة بعد أن أكون قد بللت شعر رأسي بالماء ، لأن الملعب الذي يجتمع فيه الشباب كل مساء ، يقتضي الوصول إليه المرور وسط أحد الدواوير الذي يعج بالفتيات المراهقات .

عندما أصل إلى ذلك الدوار ، أخفف من السرعة التي أجري بها ، وأمرر يدي على شعر رأسي لأرى إن كان ما يزال مثبتا على الشكل الذي وضعته عليه أمام المرآة ، ثم أجري بطريقة ثقيلة فيها كثير من التصنع ، كتلك التي يجري بها اللاعبون الذين أشاهدهم على شاشة التلفزيون أثناء التداريب .

أمام عتبة باب أحد المنازل وسط ذلك الدوار ، تجتمع فتيات كثيرات في مثل عمري ، اللحظة التي أمر فيها أمامهن أشعر وكأن قلبي سيخرج من مكانه من شدة الخفقان ، أختلس إليهن نظرات خاطفة بطرف عيني ، فأرى الابتسامات الساحرة تنبعث من بين شفاههن المرسومة بعناية الاهية فائقة ، بين هؤلاء الفتيات توجد فتاة جميلة للغاية ، لا أعرف لماذا كلما رأيتها أشعر وكأني أطير فوق السحاب ، جمالها الباهر وابتسامتها البريئة الساحرة ، إضافة إلى عمرها الذي خمنت أنه يصغر عمري بسنة أو سنتين ، كل هذه الأشياء ربما هي التي جعلتني أشعر بهذه الأحاسيس التي لا أستطيع تفسيرها كلما التقت عيناي بعينيها .

ذات يوم ، وقبل أن أذهب إلى الملعب ، نظرت إلى حذائي البلاستيكي الذي تمزقت ثقوبه الأصلية التي يمر منها الخيط ، وصنعت له أخرى حتى صار أشبه بالغربال ، فاكتشفت أن منظره بشع للغاية ، وقلت مع نفسي بأن هذا الحذاء القبيح ، قد يكون سببا نهائيا كي تنفر مني تلك الفتاة الجميلة . وهكذا صرت كلما ذهبت إلى الملعب أضع حذائي الذي تنبعث منه رائحة مقرفة  في كيس أسود ، ولا أرتديه إلا بعد وصولي إلى الملعب .

لقد عرفت الآن أن ما أعيشه هو الحب نفسه الذي يتغنى به " الروايس " في أغانيهم العاطفية ، لم أعد أشك في هذا ، لقد كبرت الآن وبدأت أستوعب كثيرا من الأشياء التي لم أكن أفهمها من قبل .

فاطمة التي كان قلبي يخفق لها كلما جاءت إلى " الزاوية " رفقة أمها لم تعد تثير أي إحساس في دواخلي ، لقد جاءت عندنا مرات كثيرة لكن تواجدها في بيتنا لم يعد يحرك أي وتر من أوتار قلبي . وجهها الدائري المكتنز الذي يتوسطه أنف منبطح ، لا يشبه أبدا وجه فتاتي الجديدة ، الذي ينبعث منه نور كالذي ينبعث من النجوم في ليالي القرية المقمرة .

فاطمة لا تشبه فتاتي الجديدة التي تدعى " عقيدة " في أي شيء ، لذلك خرجت من قلبي بعد أسابيع قليلة من الاحتلال كما تخرج الشعرة الرقيقة من العجينة الطرية بلا متاعب .

" عقيدة " أصبحت هي محور كل الأفكار التي تدور في رأسي ، لم أعد أفكر في أي شيء آخر سواها ، صورة وجهها الجميل لا تفارق عيني ، والابتسامة الساحرة التي تنبعث من بين شفتيها الرقيقتين أكاد أسمع همسها في كل وقت .

لكن المشكل الأبدي الذي يقف حاجزا صامدا بيني وبين الحب هو التقاليد المحافظة لأهل القرية ، إضافة إلى الخجل الذي لم أتخلص بعد من كل رواسبه رغم ظهور الشارب الرقيق تحت أنفي .

فأنا أحب " عقيدة " حبا جما لكني لا أستطيع أن أعبر لها عن هذا الحب المجنون الذي يفيض به قلبي نحوها ، فهي منحشرة دائما وسط الفتيات اللائي لا يخرجن إلا في مجموعات مثل قطيع الغزلان ، ولم يسبق لي أن رأيتها تخرج وحيدة ، وحتى إن صادفتها وحيدة فحتما لن أستطيع التحدث إليها بسبب الخجل ، وحتى إن تخلصت من خجلي وامتلكت الشجاعة لأتحدث إليها ، فهي سترفض ذلك بدون شك ، لأن الحديث بين الفتيان والفتيات في القرية أمر محظور حظرا شاملا ، وإذا تجرأت على خرق هذا الحظر وتحدثت إلى " عقيدة " ، ووصل ذلك إلى علم أبيها ، فهو لن يتردد في كسر أحد ضلوعي .

لكن ما يثير حيرتي هو أني لا عرف إن كانت " عقيدة " تحبني مثلما أحبها ، أم أنها لا تعرف أصلا أن هناك شيئا اسمه الحب .

هي في مثل عمري تقريبا ، لكني لا أعرف إن كانت مشاعر الفتيات تتشابه مع مشاعر الفتيان في هذه المرحلة من العمر أم لا . أنا أحترق وأذوب مثل الشمعة ، ووزني يتناقص يوما بعد يوم بسبب انغلاق شهيتي تجاه الأكل ، ووجهي صارت عظامه بارزة حتى صرت أشبه بشبح مخيف ، لقد زال عنها اللحم الذي كان يغطيها ، وأصبحت الآن ظاهرة بسبب الحب الذي يجتاح قلبي مثل عاصفة هوجاء .

لكن " عقيدة " لا يتناقص وزنها مثلي ، بل إن جسدها ذو القامة القصيرة ما فتئ يزداد اكتنازا حتى صارت مثل كومة متحركة من اللحم ، إذن هي لا تحبني ، لو كانت تحبني لبرزت عظام وجهها مثلما برزت عظام وجهي .

" الراويس " الذين ينشدون أغاني الحب الرائعة يقولون بأن أصعب شيء في الحياة هو أن تحب إنسانا ولا يبادلك نفس الشعور ، فكيف لي يا ترى أن أعرف إن كانت " عقيدة " تكن لي حبا عظيما كذلك الذي أكنه لها ، وكيف لي أن أعرف إن كانت تفكر في مثلما أفكر فيها .

جسدي يذبل مثل وردة في آخر أيام فصل الربيع ، وفي الصباح أجد صعوبة شديدة في مغادرة فراش النوم مع طلوع الفجر بسبب السهر الذي أغرق فيه إلى ساعات متأخرة من الليل ، حتى آيات القرآن الكريم الذي ما زلت أواصل حفظه عند شيخي إبراهيم في مسجد القرية لم تعد تترسخ في ذهني كما كانت في الماضي قبل أن أدخل إلى معمعة الحب .

شيخي إبراهيم أصبح يتحدث إلي بلغة لا تخلو من حدة وعنف ، عندما أستعرض أمامه اللوحة أرتكب أخطاء بالجملة ، ولا يتردد في نهري بأسلوب ساخر في أحيان كثيرة ، ذات صباح قال لي عندما بلغ غضبه أقصى درجاته بأن الناس عندما يكبرون تتفتح عقولهم ، بينما أنا يزداد عقلي ضيقا يوما بعد يوم !

لكني لا أولي له أي اهتمام ، اهتمامي كله منصب على " عقيدة " ، ولا شيء غيرها ، لا تهمني سخرية شيخي إبراهيم ، ولا يهمني كلامه القاسي ، ما يهمني هو عقيدة .

لو كان شيخي إبراهيم يعرف الظروف القاهرة التي يجتازها قلبي ، لمنحني عطلة مفتوحة حتى أستطيع رؤية حبيبتي وقتما أريد . لكنه لن يفعل ، لأنه بدون شك لا يعرف أنني أعاني من ويلات الحب ، الفقهاء لا يعرفون شيئا اسمه الحب ، لأنهم يقضون أيام مراهقتهم وبداية شبابهم داخل المدارس العتيقة البعيدة ، التي تنزوي في أماكن معزولة لا رائحة فيها للحب ولا للفتيات الجميلات . الرائحة الوحيدة التي تعم أرجاءها هي رائحة الصمغ التي تخنق أنوفهم ، وتجعل عيونهم ترى الأشياء بمنظار مليء بالجدية الزائدة عن الحد ، والتي لا تتوافق على أي حال مع متطلبات المراهقين في أمثال عمري ….

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

9 تعليق على “مذكرات طفل خجول ( الحلقة التاسعة والستون ) - الفقهاء لا يعرفون ما هو الحب! )”

  1. يبدو لي يا اخي محمد انك انسان رقيق المشاعر لا يمكن ان يعيش دون حب حتى ولو كان وهما

    صراحة ان مشاعرك الصادقة التي تتحدت عنها بكل صدق تتير مشاعر جميع القراء لمدكراتك ودالك يوضح محبة جميع المدونين لك ومكانتك الخاصة

    تحية اخي محمد واستمر لنهاية

    وفقك الله وان شاء الله تجد من تحبك وتكون لرسائلك ال\يوم عنوان

  2. سلام اخي الراجي مند مدة لم أسمع عنك شيئا جديدا ……كيف حالك أتمنى ان تكون بألف خير

  3. طبعا أختي آسية ..

    أعترف لك أني كائن لا يستطيع العيش من دون حب مثلما لا تستطيع السمكة العيش من دون ماء ، ومثلما لا يستطيع الانسان العيش من دون هواء ..

    ولكن هذا لا يعني أنني اريد العيش مع أي حب كيفما كان ، لا ..

    الحب يلا ما كانش فيه الوفاء والصدق والاخلاص بناقص منو ..

    بالمناسبة أطلب منك مرة أخرى أن تبعثي لي بعنوان المنتدى ..وشكرا .

    والله يخللي المحبة بين جميع المدونين

    مع تحياتي والى اللقاء

  4. أهلا وسهلا ومرحبا أخي يوسف ، الجديد موجود على موقع هسبريس ، هناك مقالان ، واحد تحت عنوان ( ناري شحال حنا متخلفين ) والثاني تحت عنوان ( وطنكم أولى باهتمامكم ايها المدونون المغاربة )

    ومعذرة على هذه الدعاية ..

    ولكن أسي يوسف ديالك كاينة فالقاع ديال الخابية ، لأنك نشرت على مدونتك كيفية كتابة السيناريو دون أن تخبرني مسبقا ، المصيبة اني حاولت فتح تلك الملفات لكن من دون جدوى ..

    غادي تخلص ..غادي تخلص ..مهما طال الزمن

  5. تحية طيبة

    دعوة للمساهمة في انجاح مبادرة تأسيس تجمع المدونين المغاربية

    الرابط : http://maghrebtadwin.maktoobblog.com/

    كما انتظر زيارتك لمدونتي و كذا تعليقاتك و اقتراحاتك

    و السلام

    و كل تواصل و أنت بألف خير

  6. تخطئ عندما تقوا إن الفقهاء لا يعرفون ما هو الحب!

    إقرأ إن شئت قول ابن القيم الجوزية عندما سأله إحدهم عن رأي الدين في الحب، إذ أجابه:

    إن كنت لا تدري ما العشق وما الهوى

    فاعلف تب نا فأنت حمار.

  7. انه اسخف موضوع

  8. wara asi mohamed mzain souad

  9. باشر وافصح بالمغموض لعلكتجد الضواب



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر