علاش المغاربة ما كايقراوش ؟

كتبهاmohamed ، في 23 فبراير 2008 الساعة: 07:17 ص

في الجزائر تبيع صحيفة "الخبر" لوحدها ستمائة ألف نسخة في كل يوم ، وفي المغرب لا يتعدى عدد مبيعات الصحف مجتمعة ثلاثمائة ألف نسخة في أحسن الأحوال . إنها حقا كارثة حقيقية .

أن يصل عدد سكان المغرب إلى ثلاثين مليون نسمة ولا تطبع صحفه سوى ثلاثمائة ألف نسخة فهذه كارثة حقيقية تفرض علينا أن ندق ناقوس الخطر بشدة ، كي نستيقظ من هذا السبات العميق الذي غرقنا فيه منذ عقود من الزمن ولم نستيقظ منه لحد الآن .

فماذا نريد أن يصنع مجتمع لا يقرأ أفراده حتى الصحف اليومية ، طبعا لن ننتظر منه أن يفعل شيئا آخر غير الانغماس في التخلف والتراجع إلى الوراء .

وإذا كانت صحيفة "الخبر" الجزائرية تبيع ستمائة ألف نسخة في اليوم الواحد ، وهي صحيفة تنتمي إلى بلد يعيش نفس الأوضاع الاجتماعية التي نعيشها ، توجد فيه ساكنة يقدر عددها بما هو موجود في المغرب ، فإن المنطق يقتضي أن تكون لدينا في المغرب صحيفة تبيع بدورها ستمائة ألف نسخة . لكن مع الأسف ليست لدينا صحيفة تبيع ستمائة ألف نسخة ولا خمسمائة ألف ، بل ليست لدينا صحيفة تطبع حتى مائتي ألف نسخة . يا لها من كارثة عظيمة !

الصحف المغربية التي تبيع أكثر من عشرة آلاف نسخة تذكر القراء بذلك كل يوم ، مثلما تذكرهم باسم مدير النشر والمدير العام ورئيس التحرير والطاقم الصحفي . أما مدراء الصحف الذين لا يشيرون إلى عدد النسخ التي يبيعونها فإن المساكين يخجلون من أنفسهم ، على اعتبار أن عدد المرجوعات عندهم يفوق عدد المبيعات! علما أنهم لا يطبعون سوى مئات من النسخ ومع ذلك يعجزون عن بيعها ! وعموما فأنا لا أصدق إطلاقا كل تلك الأرقام التي يضعونها أمام عبارة " طبع من عدد أمس " ، لأن شاحنة المرجوعات تعيد إلى كثير من الجرائد نفس الأعداد التي وزعتها في اليوم الموالي .

الغريب في الأمر هو أن كل الذين فتحوا أفواههم وأمطرونا بتحليلاتهم الكثيرة عن سبب عدم اهتمام المغاربة بالقراءة لم يتوصلوا بعد إلى السبب الحقيقي لذلك ، أو بالأحرى لا يريدون أن يصلوا إليه .

فتارة يلصقون التهمة بالأمية ، وتارة أخرى يقولون إن ضعف القدرة الشرائية للمواطنين هي التي تمنعهم من اقتناء الجرائد والكتب ، وهي على أي حال تفسيرات غير منطقية وليست في محلها !

الحقيقة الغائبة عن هؤلاء "المحللين" هي أن المغاربة غير مستعدين في الوقت الراهن على الأقل للقراءة ، ولو أهديت لهم كل جرائد الدنيا ومجلاتها وكتبها بالمجان ، حيت ما عندهومش الكانة ديال القراية !

المواطن المغربي يمر أمام الكشك وهو يدردش رفقة صديقه أو صديقته دون أن تثير انتباهه كل تلك الصحف والمجلات الملونة التي يتم تصفيفها بعناية على رصيف الشارع . حيت عقلو ماشي هنا . الناس عندنا لا يسترقون النظر حتى إلى العناوين التي تزين بها الصحف صدر صفحاتها الأولى ، فكيف تريدون منهم أن يدفعوا درهمين ونصف من أجل اقتناء جريدة يومية ؟ هذه معادلة غير منطقية على الإطلاق !

كثير من الشباب المغربي يبحرون في الإنترنت ساعات طوال ، يدردشون خلالها مع كل فتيات الكون ، لكنهم في المقابل غير مستعدين للدخول إلى موقع إحدى الجرائد المغربية ، أو البحث عن آخر الانتاجات الأدبية في محركات البحث ، والسبب بطبيعة الحال هو أن الكل يبحث عن طريقة ما ليخلص نفسه من هذا الوطن القاسي ، وليس عن أخبار الجرائد وجيد الأدب . وكلنا نعلم أن الطريقة الوحيدة التي ما زالت تعطي بصيصا من الأمل لكل من يريد أن يقطع مياه البوغاز في اتجاه الضفة الأخرى هو عقد صفقة زواج ولو كان أبيضا على الويب مع إحدى بنات أوروبا أو أمريكا أو كندا ، لذلك فالكثيرون عندما يدخلون إلى الويب يبحثون عمن يخلصهم من العذاب ، وليس عن أخبار الجرائد التي لا تزيد الرأس إلا صداعا !

في المغرب تتناسل الأحزاب السياسية كما يتناسل الفطر ، دون أن يجد الأمناء العامون لهذه الأحزاب حتى عشرة مناضلين من أجل وضعهم في الكراسي الأمامية أثناء مؤتمراتهم المملة . وتتناسل عندنا الصحف أيضا دون أن تجد من يخلصها من أشعة الشمس الحارقة أمام الأكشاك وعلى أرصفة الشوارع .

المواطن المغربي "كفر" بكل شيء تقريبا . كفر بالسياسة والرياضة والثقافة وحتى نشرة الأحوال الجوية . المواطن المغربي تائه في بلده ، لذلك فهمه الأول هو أن يبحث عن نفسه وذاته أولا ، قبل أن يبحث عن الكتب والمجلات والجرائد ، الناس لا يهمهم البحث عن العناوين الكبرى على صدر الصفحات الأولى للجرائد  ، بقدر ما يهمهم البحث عن جواب مقنع لسؤالهم المحير عن كيف سيكون المستقبل .

الناس عندنا بكل بساطة حائرون يتساءلون من دون أن يجدوا من يبدد عنهم حيرتهم ، ولا من يجيب على أسئلتهم التي تصيب بالأرق . لذلك نجد المواطن المغربي مستعد لدفع عشرين درهما في اليوم أو أكثر من أجل شراء علبة السجائر لينفث همومه مع دخانها في سماء هذه المملكة الملبدة بغيوم الحزن والكآبة ، لكنه في المقابل غير مستعد لدفع ولو درهمين ونصف لشراء جريدة يومية أو عشرة دراهم لشراء مجموعة قصصية .

الناس تعيش بأجسادها المثقلة بالهموم والأحزان في المغرب ، بينما عقولها مشتتة على أوربا وأمريكا وكندا . إذا كنتم تريدون من الناس أن يقرؤوا ، فاجمعوا عقولهم المشتتة أولا ، وبعد ذلك يمكنكم إلصاق التهمة بالأمية وضعف القدرة الشرائية !

خلليو عليكم الأمية وضعف القدرة الشرائية فالتيقار ، واجيو نهضرو بالمعقول .

هناك مشكل خطير يهدد هذا البلد دون أن يحظى بما يكفي من الأهمية ، وهو أن المواطن المغربي أصبح ممزقا بكل ما تحمله الكلمة من معنى . الناس لم تعد تفكر سوى في طريقة تمكنها من العبور نحو الضفة الأخرى ، وترك هذا الوطن البئيس لأصحابه الحقيقيين .

عندما تسأل طفلا صغيرا في ساحة المدرسة عن أكبر أمنية يتمناها في المستقبل ، يجيبك بكل براءة وصدق أن أمنيته الكبرى هي أن يهاجر إلى فرنسا أو اسبانيا أو ايطاليا عند أحد أقاربه المقيمين هناك . لقد ولى ذلك الزمن الذي كان فيه الأطفال يحلمون بأن يصبحوا أطباء وأساتذة ومهندسين بعد إتمام دراستهم . كل شيء انقلب الآن رأسا على عقب ، وكل هذا طبعا بسبب السياسة المعوجة التي تسود في المغرب منذ الاستقلال إلى الآن .

كم من طفل مغربي يخرج كتابا من محفظته الصغيرة في المساء لانجاز التمارين التي طلبها له المعلم ، وعندما يسمع أخاه الذي حصل على الإجازة قبل سنوات كثيرة يطلب من والدته أن تمده بدرهم لشراء سيجارة رديئة يجمع كتبه ودفاتره ويرمي بمحفظته في ركن من أركان البيت ، ويخرج ليلعب في الشارع . كيف تريدون من تلميذ صغير لا تساعده الظروف الاجتماعية المحيطة به أن يذهب يوما إلى المكتبة من أجل شراء قصة قصيرة أو كتابا مفيدا . هذا أمر مستحيل .

النظرة السلبية عن كل ما له علاقة بالقراءة تترسخ في ذهن المواطن المغربي منذ طفولته ، وطبعا فكل ما ترسخ في ذهن الإنسان منذ صغره يبقى غير قابل للمحو ، تماما كالنقش في الحجر، كما يقول المثل . لذلك لا تحملوا الناس وزر أشياء هم غير مسؤولين عنها على الإطلاق .

وإذا كانت الدولة ترغب حقا في ازدهار القراءة في البلاد ، فعليها أن توفر الأجواء اللازمة لذلك . أعطوا للناس حقوقهم أولا ، ووفروا لهم مناصب الشغل ، واحترموا كرامتهم قبل أن تفكروا في إعطائهم الكتب . إذا فعلتم كل هذه الأشياء فكونوا على يقين من أن نسبة القراءة سترتفع من تلك النسبة المخجلة التي لا تتعدى 2 % إلى نسب محترمة في سنوات قليلة . أما إذا بقيت الأمور على ما هي عليه الآن فإن المواطن المغربي لن تكون شهيته مفتوحة للقراءة لا في "زمن الكتاب" الذي "اخترعه" محمد الكحص ، ولا في أي زمان آخر .

المواطن المغربي غير مستعد لقراءة روايات بوزفور وشكري وزفزاف ولو قامت وزيرة الثقافة بتوزيعها على الناس بالطائرات في المدن والأرياف . المواطن المغربي لن يقرأ دواوين نزار قباني وأدونيس ومحمود درويش ولا روايات نجيب محفوظ ولو قامت السيدة ثريا جبران بتفريقها على الناس مجانا في كل تلك المهرجانات التي تنظمها وزارتها في الصيف والشتاء .

أرجو أن يترك "المحللون" القدرة الشرائية الضعيفة والأمية بسلام ، فهما ليستا سوى شماعة هشة يعلق عليها المسؤولون الحقيقيون عن هذا الوضع الكارثي كل فشلهم .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

6 تعليق على “علاش المغاربة ما كايقراوش ؟”

  1. ممتاز سي الراجي, لك مني ألف تحية تابع أشد على يديك بحرارة جميل

  2. شكرا جزيلا أخي ….

    وبدوري أبادلك التحية …

  3. صباح الخير استاذ الراجي

    أوافقك على كلامك، فغياب التثقيف (القراءة) من اهم العوامل التي تهدد امننا القومي، و تهدم شيئا فشيئا هويتنا الغنية التي ما بنيت إلى على الميكانيزمية المعروفة في تاريخنا العربي الإسلامي (قراءة، ترجمة، تطوير) …

    أحس احيانا بشيء من الإحباط عندما اسمع مثل تلك الحجج الوهنة التي يتعلل بها الناس (شبابا و شيبا)، حتى خرج علينا في السنوات القليلة الماضية، بعض مرتزقة “العلم” الذي تشدق بأن 20 دقيقة قراءة في اليوم كافية…أصدقه هو ام اصدق استاذي في الجامعة الذي قال لنا يوما ان القراءة تبني حضارة و القراءة أيضا تهدم حضارة، فهل 20 دقيقة كافية لبناء حضارة؟؟؟

    أما عن الأثمان فهذه حجة و لو فيها بعض الصحة إلا انها ايضا غير ذات قيمة، فقبل ايام قادتني صدفة إلى زيارة الدار البيضاء، و في الطريق توقفنا في محطة للبنزين، فوجدنا رفا من الكتب يمكن ان تقرأها و تضعها ايضا بعد ذلك في مكان عام و تكتب اسم الكتاب و مكانه في موقع على الانترنت…الذي اريد ان اقوله ان الذي يريد ان يقرأ لن يعدم وسيُلة…علينا ان نكون اكثر ابتكارا و اكثر نهما و نشاطا في قراءتنا لا ترفا و تمتعا بل كنوع من الضرورة الحتمية.

    شكرا على المقال المهم.

    قارءك الجديد

    كريم

  4. Bonjour Monsieur Raji,

    tu as raison, je te félicite pour ton article qui est trés long par rapport aux autres articles que tu as déja écris. Malgré sa longueure j´ai pas hésité de le lire. Ca éte trés interessant.

    Mais qu´est ce que tu dis des nouveaux statistiques qui disent, que le journal “almassae” vend plus de 450 000 exemplaires par jour. et bien c´est beaucoup plus des 300 000 que t´as écris.

    En tout cas, ton article est super.

    Bonne continuation

  5. hada kat fadih yasi raji

  6. صباح القراءة أخي الراجي.

    كنت أتمنى أن لا تحكم على نسبة القراءة من خلال أعداد ما تبيعه الجرائد وأنت تعرف جرائدنا أصصلا.

    أنظر معي.. تخيا أنني اشتري الاتحاد الاشتراكي فماذا سأجد فيه، صفحة عن اخبار دولية أشاهدها بالتفصيل الممل في قناة الجزيرة، انقطاع الماء أو الكهرباء على قرية ولاد حدو لا اعرف حتى مكانها في الخريطة، مقالات تسمة كذبا “فكرية” كلها سب وشتم اديولوجي.. اليساري يسب اليميني والعلماني يشتم الاسلامي ويسخر منه.. خد ايضا الاحداث المغربية فماذا تجد، اربع صفحات جنسية وثلاث كلها قصص الحب والغرام وزنى المحارم في شكاوى من الكلب الى الكلب..

    انظر ايضا جريدة التجديد، نصف صفحاتها عن قصص الشبيبة الاسلامية وغيرها في سنين السبعينات والثمانينات وكأن اجترار ذلك التاريخ يهم شباب اليوم في شيء.

    المساء أكثر الجرائد مبيعا لكن الفضل في ذلك عائد لعمود ساخر واحد يحتل ربع صفحة لكاتبه رشيد نيني ومعروف انه من غير نيني فستنهار الجريدة.

    فماذا إذن.. ثم العدد الكبير والمهول لجرائد المغرب الحزبية والمستقلة.

    نحن لا نقرأ الجرائد لأنك ستدفع 50 ريال مقابل 5 دقائق قراءة. جريدة لا تتعدة صفحاتها 12

    هل هذه جريدة ؟

    أنا أقرأ صحيفة الباييس والموندو وابيسي.. ولم يسبق لي أن اكملت عددا واحدا قراءة ذلك أن الاطلاع على كل المقالات المهمة فقط والغنية، يحتاج منك قضاء ساعات طويلة.

    أما موضوع لماذا لا يقرأ المغاربة بصفة عامة فالامر بسيط.

    ليس لدينا ما نقرأه.

    أنا أذهب الى المكتبات فلا أجد ما أقرأ، نعم صدقني يا راجي، بالفعل لا أجد ما أقرأه.

    آخر مرة، ومنذ اسبوع فقط كنت في معرض الكتاب بالدار البييضاء، فلولا دار الفرابي ودار علاء الدين ودار الجمل ودار افريقيا الشرق لما اشتريت شيئا.

    خرجت محملا فقط بما قيمته ألف درهم بينما هذه المتاسبة الكبيرة كان الأولى أن أشتري أكثر من هذا المبلغ ولكن ليس في اليد حيلة.

    أعرف شعراء كثيرين وكتابا أيضا ومبدعين وربما منهم أنت، ولكنك إن حاولت أن تنشر عملا فإنك لن تجد من يساعدك.. شخصيا ألفت ثلاث روايات ولكنها ظلت رهينة مكتبتي، ولي اصدقاء أنتجوا عشرات الدواوين وكلها لم تنشر، فقط لأن كل دار نشر تطلب منك 4 مليون سنتيم قبل أن تلج الباب. مليكة مستطرف ماتت لأنها نشرت رواية بأموال اقتطعتها من ثمن علاجها فكان أن فارقت الحياة. فهل على الكاتب أن يفارق الحياة أو يغرق في الديون لكي ينشر اعمالا أدبية أو فكرية تليق فيقرأها المغاربة لتتباهى بهم في الاخير وزارة الثقافة ؟

    المغاربة يقرأون.. صدقني.. ولكن المسؤولين هم الذين لا يقرأون، لا يقرأون الواقع كما لا يقرأون الكتب.

    المغاربة يتقنون اللغات الاجنبية أيضا.. وتعليمهم جيد.. انما يخرج جحافل العاطلين وهذا ذنبه.

    أنظر الى كتاب المدونات وأقلام المنتديات وسترى العجب العجاب مما يرتكبه المشارقة، الذين يقرأون حسب الارقام والاحصاءات.. لتكتشف أننا بالفعل نقرأ، وأننا بالفعل احسن منهم.. انما الصورة المعكوسة هي تلك الارقام الخادعة.. نحن شعب أكثر من نصفه أمي، لكن النصف الآخر يقرأ ويقٍا وسيبقى يقرأ. وأحسن وأكثر من غيره يقرأ.

    تحياتي لك.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر