يا لها من حياة بلا كرامة … !!
كتبهاmohamed ، في 7 مارس 2008 الساعة: 04:26 ص

وكأن بوسلام يملك حاسة سادسة . لقد صدقت توقعاته وكاد الباطرون أن يطرده من العمل بداية هذا الأسبوع لولا الألطاف الإلهية . يا لها من حياة بلا كرامة ! سعادة الباطرون ، أو السي الحاج كما يناديه العمال ، كلف بوسلام بنقل أكياس من الإسمنت حتى لا تبتل بقطرات المطر التي بدأت تتهاطل على المدينة ، ولما أخبره بوسلام أنه لا يستطيع القيام بذلك بسبب معاناته الشديدة مع بوزلوم الذي استفحل بشدة مع انقطاعه عن الدواء ، رماه بنظرة ساخطة ، وقال له بصوت تكتنفه السخرية الحارقة :
- واش باقي كاتدير هنا ؟ يلا كنت مريض أولدي وما بقيتيش قاد عالخدمة سير لداركوم ونعس على جنب الراحة ، را عطا الله اللي يخدم بلاصتك !
ثم سحبه من يده اليسرى إلى غاية الحجرة الضيقة التي يتخذ منها مكتبا في أقصى "الدروكري" ، وسلمه أجرة سبعة أيام المتبقية في ذمته ، وطلب منه بإلحاح شديد أن يغرب عن وجهه مع غروب شمس ذلك اليوم ! آويلي … واش بنادم ولا رخيص فالمغرب حتى لهاد الدرجة ؟
بوسلام نشف فمه من الريق ، في دواخله يسمع صوتا هامسا يطالبه بالانقضاض على السي الحاج وإغراق رأسه وسط تل الرمل الذي يقف منتصبا بالقرب منهما ، انتقاما لكرامته التي لم يسبق لأحد أن أهانها بهذا الشكل المخزي ، لكنه يفكر في النتائج الكارثية التي سيحصدها إن هو فعل ذلك ، وأقلها أن يقضي مدة محترمة داخل زنزانة باردة في السجن المحلي الذي يوجد في مدخل المدينة بجانب اللصوص والمجرمين وقطاع الطرق . اللهم الواحد يصبر للحكرة ولا يمشي للحبس .
ثم سمع صوتا آخر يناديه من الأعماق بالاعتذار للسي الحاج وتقبيل يده اليمنى حتى لا يطرده من العمل ، كما يفعل العمال الآخرون كلما أحسوا بخطر الطرد يقترب منهم ، فمن الصعب جدا بل من المستحيل أن يعثر على فرصة عمل جديدة ، خصوصا وأن سوق التشغيل مع قدوم حكومة السيد عباس الفاسي يعرف أزمة خانقة يعتبر فيها العثور على فرصة عمل واحدا من المستحيلات السبع . ولكن لا ! عزته وكبرياؤه لا يسمحان له أبدا بالانحناء على يد أحد لتقبيلها ، ولو تعلق الأمر بيد ملك البلاد شخصيا! فكيف له أن ينحني على يد السي الحاج الخشنة لتقبيلها . لو ارتكب خطأ لاعتذر وطلب المسامحة والعفو بلا تحفظ ، وبما أن خطأه الوحيد هو أنه لم يستطع حمل أكياس الإسمنت الثقيلة بسبب الآلام العاصفة التي تجتاح ظهره بلا رحمة فلا يجدر به أن يعتذر . وإذا أردنا أن نتحدث بالمعقول فإن السي الحاج هو الذي يجب أن يعتذر في هذه الحالة ، فلو كنا في بلد يحترم حقوق وكرامة مواطنيه لكان بوسلام الآن يرقد على سرير نظيف داخل مصحة الضمان الاجتماعي ، عوض أن يقف وهو يتأمل رب العمل الذي يشتغل لديه يمرغ كرامته في الوحل داخل مصنعه البئيس . رأس بوسلام ليس صلبا ، وشخصيته ليست عنيدة ، كل من يعرفه يكن له الحب الكبير والتقدير والاحترام نظرا لتواضعه الشديد وسماحته الكبيرة مع الجميع ، لكن عندما يرى كرامته تمرغ في التراب يتحول إلى وحش كاسر بعينين مغمضتين عن آخرهما .
بوسلام لم يكن يحسب أن يجد نفسه في يوم من الأيام وسط مشهد درامي حزين كهذا الذي يقف فيه الآن ، حتى أنه خيل إليه في لحظة من اللحظات أنه يمثل دورا في فيلم مغربي رديء . ما أشبه الواقع بالخيال !
وبينما هو متجمد في مكانه مثل تمثال من النحاس يفكر في الرد المناسب الذي سيقدمه للسي الحاج ، رن هاتفه المحمول ، وعلى الخط جاء صوت عمه المختار الذي ألف أن يقضي لديه بضعة أيام في الغرفة التي يسكن فيها داخل الدروكري كلما قدم إلى المدينة . أي مصيبة هذه يا إلاهي !
بوسلام لا يحب أن يكذب ، لكن في لحظات الشدة يمكن أن يقترف الإنسان كل الكبائر التي يمكن أن تخطر على البال ! لذلك قال لعمه بصوت متكسر أنه يوجد في سفر طويل إلى مدينة أخرى ولن يعود إلا بعد عشرة أيام ! هو يعلم أن أمه التي تسكن في القرية رفقة أبيه المريض وأختيه العانستين ستصاب بصدمة قوية إذا علمت أنه طرد من العمل ، ما دام أنه المعيل الوحيد للعائلة ، لذلك فلا بأس أن يكذب على عمه المختار ، ولو أدى ذلك إلى فقدانه بضع حسنات في ميزان الأعمال التي يدخرها ليوم الحساب في الدار الآخرة .
ولم يكد ينه المحادثة الهاتفية مع عمه حتى تناهى إلى سمعه صوت السي الحاج وهو يطالبه بجمع أمتعته بأقصى سرعة ، قبل أن ينادي على الشرطة !
وفي لحظة غضب عارمة انتفض بوسلام من مكانه مثل ثور هائج ، وتوجه نحو السي الحاج برأس مرفوع وعينين تعلوهما حمرة الغضب القانية ، بينما شبك أصابع يديه خلف ظهره حتى لا تنفلتا ويرتكب بهما حماقة هو في غنى عنها ، وبدأت الكلمات الحارقة تتدفق من فمه مثل حمم بركانية ملتهبة . السي الحاج سمع من فم بوسلام ما لم يكن يعتقد أن يسمعه في يوم من الأيام . قال له بنبرة حادة :
- إنك لا تملك ولو ذرة واحدة من الإنسانية ، وإلا فلماذا تستغلني رفقة العمال الذين يشتغلون هنا بهذه الطريقة البشعة ؟
واتهمه بكونه من تسبب له في مرض السياتيك الذي حول ظهره إلى بؤرة من الالتهابات الحادة التي لا تنتهي منذ يوم أمره بإفراغ محتوى تلك الشاحنة الضخمة من مواد البناء الثقيلة . وقال له أشياء كثيرة ، ثم تنهد بعمق وهم بالانصراف ، وما أن خطا أربع خطوات حتى انتفض السي الحاج بدوره وأرسل له سهما حارقا . قال له بصوت متهكم :
- كن متيقنا أنك لن تجد طيلة حياتك من يصنع في حقك معروفا كذلك الذي صنعته فيك يوم قبلت أن أشغلك في مصنعي ، فلولاي لكنت الآن متشردا تقضي ساعات النهار الطويلة في التسكع بين الحارات والشوارع ، وفي الليل تنام تحت سواري المدينة جنبا إلى جنب مع القطط المشردة والكلاب الضالة !
ما أن سمع بوسلام هذه الجملة حتى ارتفعت درجة حرارة الثورة التي تغلي في صدره بشكل مهول ، فالتفت نحو السي الحاج لفتة خاطفة مثل النسر ، وتراجع أربع خطوات إلى الوراء حتى وقف وجها لوجه معه ، وألقى عليه قنبلة مدوية جعلت فرائص هذا الأخير ترتعد بشكل لم يسبق لها أن كانت عليه يوما ، قال له بصوت مزلزل :
- يجب عليك أن تعترف أن المعروف الوحيد الذي صنعته في حقي هو أنك قمت باستغلالي طيلة أربع سنوات خير استغلال ، أشتغل من طلوع الشمس إلى غروبها طيلة أيام الأسبوع مثل حصان الناعورة ، وليس لدي ضمان اجتماعي ولا أي ضمان آخر ، وحتى المرتب الشهري الذي تعطيني إياه بعد أن يكون الشهر قد فات بأيام كثيرة لا يصل حتى إلى الحد الأدنى للأجور ، فعن أي معروف تتحدث يا رجل ؟! والآن حان الوقت كي تدفع ثمن كل الجرائم التي اقترفتها في حقي وفي حق العمال الآخرين طيلة كل هذه السنوات الطويلة ، لدي شهود على أتم الاستعداد للشهادة لصالحي ضدك ، بل إنني أعرف مفتشا للشغل على أتم الاستعداد بدوره للوقوف في صفي حتى أسترد كل حقوقي التي هضمتها مثل حيوان بلا أحاسيس ، وعندما تصل القضية أمام المحكمة فإني لن أقبل بأقل من عشرة ملايين كتعويض ! لقد حاولت طيلة كل هذه السنوات الطويلة التي قضيتها هنا أن أتحمل حماقاتك ، والآن أجد نفسي مضطرا لإظهار وجهي الآخر الذي طالما حاولت إخفاءه . سوف تدفع الثمن باهظا أيها الرجل ، أجل سوف تدفع الثمن باهظا جدا ، حتى أنك ستندم على اليوم الذي عرفتني فيه ! آويلي …القضية ولات بحال شي مسلسل مكسيكي مشوق .
حينها تغير لون وجه السي الحاج ، وصار أشبه بقشرة الرمان ، وبدأ يتوسل إلى بوسلام ألا ينفذ تهديده ، واعدا إياه بزيادة محترمة في مرتبه الشهري ، إضافة إلى امتيازات أخرى .
بوسلام شعر بسرور عارم يغمره من أخمص قدميه إلى آخر شعرة في رأسه وهو يسمع السي الحاج يستعطفه بصوت يقترب من البكاء ، هو لا يحب أن يرى خصومه في مثل هذه الحالة المزرية ، لكن بما أن السي الحاج هو الذي بدأ بالعار فلا بأس أن يدفع ثمن ذلك . بوسلام استطاع أن ينتصر بدهائه الكبير . هو لا يعرف أي مفتش للشغل ، بل إنه يتخذ دائما مسافة فاصلة بينه وبين كل الذين يشتغلون مع المخزن ، لأنه لا يرى فيهم سوى مجرد مرتشين يأكلون الحرام دون أن يرف لهم جفن ، ودون أن تؤنبهم ضمائرهم الميتة أصلا ، وليس هناك ولا شاهد واحد على استعداد للشهادة لصالحه .
ثم توجه إلى غرفته الضيقة التي تحتل جزءا صغيرا في أقصى الدروكري على الجهة اليسرى ، وهو يردد في نفسه ذلك البيت الرائع الذي كتبه أحد الشعراء العرب ذات زمان :
وما نيل المطالب بالتمني/ ولكن تؤخذ الدنيا غلابا …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 7th, 2008 at 7 مارس 2008 6:22 م
ذكرني نصك بعمال المناجم في قصة جرمينال لإيميل زولا قبل الثورة الفرنسية
يبدو أننا متأخرون بقرون …
تحياتي
مارس 14th, 2008 at 14 مارس 2008 5:56 م
السلام عليكم, قصة رائعة……
مارس 15th, 2008 at 15 مارس 2008 11:19 ص
شكرا جزيلا وكيفما ضحّكتيني الله يضحكك في هذ الدنيا وفي الاخرة. انا لا ارتاد المدونات وقد كنت ابحث عن علاقة محمد السادس بالابناك في المغرب فوصلت الى مقالك عنه وبعد ذلك تصفحت بعض كتاباتك وقد اعجبتني كثيرا. استمر.